هذا المقال بقلم بشار جرار، متحدث ومدرب غير متفرغ مع برنامج الدبلوماسية العامة – الخارجية الأمريكية، والآراء الواردة أدناه تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN.

من الأمثال الشعبية المعروفة في الأردن والهلال الخصيب: دق الماء وهي ماء. ويقال فيمن يصر على هدر “رد الفعل”، وإن كان دقا ودكا! فحتى يكون الحل ناجعًا مستدامًا لابد من حسن تشخيص المشكلة وتدبر الحلول المثلى لها وليس بالضرورة أن تكون مثالية بقدر ما ينبغي أن تكون واقعية.

قدر الأردن والمنطقة برمتها، بما فيها الأكثر قداسة للأديان الإبراهيمية، قدرها شح المياه وتذبذبها. قصة الإنسان في ذلك الجزء من العالم ارتبطت بالسماء لا وحيا فقط وإنما مصدرًا رئيسيًا للحياة حيث الأمطار تبقى معيارًا لمدى رضاها على قاطني الأرض على الأقل من وجهة نظر من ربطوا توفر المياه برضى مرسل السحاب عن الناس. فليس غريبًا تكرار تلك الأسطوانة من “ابتزاز” الحكومات والأفراد أيضًا بعقدة الذنب بأن الخطايا هي سبب ما نحن فيه. ويبدعون ويتفننون بصرف النظر عن صدقهم أو صوابهم في تفسير النعيم الذي تنعم فيه شعوب وبلاد لا تعرف شيئا عن السماء، بل ومنها من يتحدى شرائعها من وجهة نظر من نصبوا أنفسهم ديّان العالمين!

ما سبق هو أساس من ينبغي تغييره إن أردنا حل قضية اختلال معادلة الموارد والسكان وإدارة الموارد الطبيعية والبشرية. آن الأوان لتفريق الدين عن الدجل والعلم عن الخرافة. لم يكن عبثا تضمين خطط عمل وكالة التنمية الأمريكية في الأردن لتعزيز الأمن المائي في الأردن على مدى سبعة عقود وأكثر، بندا رئيسيًا يعنى بـ”التغيير المسلكي”. المسألة ليست حكومية فقط وإنما فردية تشمل المستهلك وليس المزارع أو الصناعي فقط.

والأردن كثاني أكثر دول العالم فقرًا في المياه، بحسب الأمم المتحدة، لم تصل حصة الفرد فيه المئة متر مكعب فيما يعتبر رقم الخمسمئة حد الفقر المائي الشديد. هذه الكارثة تضع خطا أحمر كبيرًا تحت رقمين رصدتهما “يو إس إيد” بالتعاون مع وزارة المياه الأردنية، وهما: نصف مياه الأردن تستخدم في الزراعة التي لا تساهم أكثر من أربعة بالمئة من الناتج الإجمالي الوطني للاقتصاد. ثمة خلل لا ينبغي أن ينسي الأردنيين مقولة أحد أقرب رؤساء الوزراء إلى قلوبهم حتى يومنا هذا وهو الشهيد وصفي التل الذي اغتالته رصاصات غدر تنظيم “أيلول الأسود” الإرهابي في القاهرة، الذي تصادف ذكرى استشهاده الخمسون في الثامن والعشرين من الشهر الجاري. وصفي اعتز دائمًا بأنه فلاّح “حرّاث” باللهجة الأردنية، مُعتبرا مواجهة الزحف العمراني والصحراوي مسألة أمن قومي وكذلك الاعتداد بالقمح الأردني والحوراني الذي كان صومعة حبوب الإمبراطورية الرومانية.

مكانة الإيمان والتاريخ والوطنية محفوظة لكنها محروسة أيضًا بالعلم والتجربة والبرهان بأن القضية ليست أردنية أو إسرائيلية أو شرق أوسطية، القضية عالمية وعنوانها تحدي المناخ الذي حددته وكالة الاستخبارات المركزية -سي آي إيه- بأحد مصادر التهديد الأكثر تحديا لأمن أمريكا في القرن الواحد والعشرين. من حظنا جميعا أن إدارة جوزيف آر بايدن بصرف النظر عن مواقف عواصم الشرق الأوسط منها ومن إدارة باراك حسين أوباما “الثالثة”، تقر بجدية هذا التحدي، فمرة أخرى المشكلة ليس ماءً فقط ولن تحل بدق الماء! هذه الحرائق السنوية المتكررة جراء الجفاف تضرب بلا رحمة غابات ومناطق حرجية متفاوتة الظروف المناخية من كاليفورنيا إلى إسرائيل ولبنان وسورية والأردن مرورًا باليونان. وتلك الفيضانات تغرق فلوريدا وألمانيا وتركيا. وبحسب تقييم أجهزة استخبارية أمريكية فإن عشرة مواقع في العالم مرشحة لـ”حروب مياه”، بحسب جويس ستار الخبير في الأمن المائي، معظمها شرق أوسطية.

حتى “الربيع العربي” المشؤوم ارتبط في أحد نظرياته بموسم الجفاف الذي ضرب سوريا، حيث دفع فقر المزارع ونزوحه إلى المدن وتفشي البطالة إلى توفير بيئة جاذبة لتجار الدين الذين يقتنصون معاناة الناس ويرفعون حالة السخط إلى مستوى من الحشد الذي يتم توظيفه في مخططات إرهابية أو إجرامية. انتشار الجريمة، خاصة ذات صبغات التوحش مرتبط أيضًا بتلك البيئة، فالعوز الاقتصادي والحرمان الاجتماعي غالبا ما يؤدي إلى انحرافات واضطرابات فردية واجتماعية.

يبقى الأمل في حلول مبتكرة شاملة مستدامة تتعامل مع الواقع كما هو لا كما نظنه أو نحنّ إليه من ماضينا المجيد. نقص المياه والحاجة إلى تحسين نوعيته قضية العالم كله. الانفجار السكاني مازال تحديًا حقيقيًا والنمو غير الطبيعي للسكان بدافع التهجير الخشن والناعم (الحروب والأزمات الاقتصادية وغياب الحكومات الرشيدة) مازال العامل الأكثر ضغطا على أي ميزانية، فما بالك بالأردن الذي خذله كثيرون من الأشقاء والأصدقاء رغم بيانات الإشادة والدعم على إيوائه موجات المهاجرين والوافدين. هذا الاختلال بمعادلتي الموارد والسكان آن له أن ينتهي.

من الحلول التي أوئمن بها ما وصف ب”الإيكو بيس” السلام البيئي، فالمستقبل أزرق أخضر لنا جميعا إما حياة، وإما فناء لا قدّر الله. وليت الناعقين بمعاداة “التطبيع” دق الماء بعيدًا عنا والكف عن بيعه في “حارة السقايين” كما يقال.

“قناة البحرين” قادمة لأنها مسألة وجود لا حدود. ومن أراد صنع السلام -ومن ثماره وجذوره أيضًا التنمية-، عليه أن يفصل مساراته تماما كما كانت آلية مؤتمري مدريد وموسكو في القرن الماضي. الأمن البيئي (المائي) الآن يتصدر الموقف ولهذا الميدان فرسانه، منهم في الأردن الدكتور منذر حدادين الذي تولى قيادة هذا الملف طوال مسيرة صنع السلام بين الأردن وإسرائيل.