الفساد، الفاسدون والمفسدون في لبنان - Lebanon news - أخبار لبنان
Connect with us
[adrotate group="1"]

أخبار دينية احتماعية

الفساد، الفاسدون والمفسدون في لبنان

لبنان/ أليتيا (aleteia.org/ar) مقولة محاربة الفساد ليست جديدة على لبنان، معظم العهود المتتالية منذ الٳستقلال وحتى الطائف لوّحت بمحاربة الفساد. وبعد الطائف، حيث لم يعد لتسمية “العهد” أي فعالية إجرائية، تبنّت الحكومات المتعاقبة شعار محاربة الفساد، ولكن لم نرى يوماً أي عمل فعلي ولا حتى أي مبادرة في هذا الٳتجاه. مؤخراً، بالرغم من نجاح أكثر من طرف…

Published

on

الفساد، الفاسدون والمفسدون في لبنان

لبنان/ أليتيا (aleteia.org/ar) مقولة محاربة الفساد ليست جديدة على لبنان، معظم العهود المتتالية منذ الٳستقلال وحتى الطائف لوّحت بمحاربة الفساد. وبعد الطائف، حيث لم يعد لتسمية “العهد” أي فعالية إجرائية، تبنّت الحكومات المتعاقبة شعار محاربة الفساد، ولكن لم نرى يوماً أي عمل فعلي ولا حتى أي مبادرة في هذا الٳتجاه.

مؤخراً، بالرغم من نجاح أكثر من طرف في إلقاء الضوء، بأدلّة وأمثلة، على الكثير من فضائح الفساد (“الأيادي السود” لنجاح واكيم، “الٳبراء المستحيل” لتكتل التغيير والٳصلاح، والكثير من التحقيقات الرصينة لوسائل ٳعلامية مختلفة)، لم نرى أي ردّة فعل ملموسة حزبية، سياسية أو شعبية ولا حتى أي تدبير قضائي من سلطة يفترض أن تكون منزّهة مستقلة ومالكة زمام المبادرة.

هل يعني ذلك أن الفساد تفشّى في جسم الدولة وطال كل سلطاتها ومؤسساتها أفقياً وعامودياً؟

أم أنه في ظلّ نظام إئتلاف الطوائف يستحيل توجيه أصابع الٳتهام بإتّجاه شخصيات بارزة لأنه يتحول تلقائياً الى اتّهام للطائفة بحد ذاتها، كما جرى مع رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة؟

أم أن الفاسدون هم في أعلى المراكز ممّا يجعل من الصعب جداً لمن يجرؤ على مواجهتهم، موظفين أو قضاة، الحفاظ على منصبه، نظراً لتركيبة السلطة في لبنان القائمة على تبعية الموظفين أو حتى القضاة للزعامات السياسو-طائفية     (politico-confessionnelle)؟

أم أن الفساد الموروث من العهد العثماني والمتأصل في الثقافة اللبنانية ، إستفحل وأصبح جزءاً لا يتجزأ منها، شعبياً ومؤسساتياً؟ والمعايير الأخلاقية التي تسوس المجتمعات العريقة والتي تكوّن رادعاً يخشاه القيّمون على مقدّرات الدولة، ويحول دون انسياقهم وراء شهوة المال، لم تعد قائمة في لبنان أو بأحسن الأحوال أصبحت مطّاطة ونسبية؟

أم أن الٳنحلال التدريجي للمجتمع اللبناني تفاقم لدرجة فقد فيها الشعب سلّم القيم وأصبح معها الخطأ صواباً والصواب حماقة، على ما ورد في الكتاب المقدس “…لأنهم عرفوا الله ولم يمجّدوه ولا شكروه كما ينبغي لله، بل تاهوا في آرائهم الباطلة فأظلمت قلوبهم الغبيّة. زعموا أنهم حكماء، فإذا هم حمقى…” روم 1/21-22؟

في الواقع إنها بعض من كل هذه الأسباب لا بل كلّها في آن واحد.

لتسهيل البحث وتماشياً مع الجو الشعبي السائد يمكننا تقسيم المجتمع اللبناني الى جزئين: مسؤولي السلطة والشعب.

بالنسبة للمسؤولين، من هم هؤلاء الذين تداولوا على السلطة من أفراد وأحزاب منذ إتفاق الطائف أو أكثر حصراً، منذ الٳنسحاب السوري وحتى اليوم؟ وهل يصحّوضعهم في خانة واحدة، كما تفعل الغالبية الساحقة من المواطنين عند تحميلهم مسؤولية تردّي الأوضاع؟

في الواقع يتوزّع هؤلاء على فئات ثلاث:

الفئة الأولى- المرتكبون: وهم كل مسؤول أو موظف، مهما علا شأنه، شارك بشكل مباشر أو غير مباشر بأي صفقة على حساب المال العام، أو استفاد منها، هو أو أحد أنسبائه أو أتباع حزبه أو زعامته.

الفئة الثانية- العارفون الصامتون: وهم كل مسؤول أو موظف، مهما علا شأنه، على علم بما ارتكبته الفئة الأولى ولكن لم يحرّك ساكناً، إمّا خوفاً على موقعه أو مصالحه الشخصية أو حتى على حياته، وإمّا لعلمه بضعف تأثيره أو حتى عدمه. تنطبق على المجموعة الأولى منهم مقولة “الساكت عن الحق شيطان أخرس”.

الفئة الثالثة- المغفّلون: وهم كل مسؤول أو موظف، مهما علا شأنه، لم يتنبّه لما يجري حوله من ارتكابات فاضحة ومتكرّرة سبّبت على مرّ السنين باستنزاف مقدّرات الدولة لصالح جيوب أفراد وجماعات. وهو بذلك يرضى لنفسه بصفة المغفّل.

ما يجدر الوقوف عنده هو بأن المفسدين والفاسدين لم يعودوا، من جرّاء فعلهم، لا مسلمين ولا مسيحيين ولا عونيين ولا أمليين ولا إشتراكيين ولا مستقبليين ولا مردة ولا غيرهم. إنّهم، وبحكم الواقع، قد جحدوا بإيمانهم واستبدلوا عبادة الله بعبادة المال. كما وتركوا احزابهم وتياراتهم السياسية والتحقوا بحزب اللصوص. فمن المستغرب إذاً أن تثور الزعامات الطائفية والحزبية عند الظنّ بواحد من أتباعها. بل يجدر بها الٳصرار على محاكمة المتهمين، إما لتثبيت برائتهم أو تبيان زندقتهم وإدانتهم وتنقية الطوائف والأحزاب منهم.

حتى ولو طال الشك والٳتهامات طرفاً سياسياً أو طائفياً واحداً، فعليه الٳمتنان لأن مهمة تنقيته لم تقع عليه، لما لها من تأثير على شعبيته وتركيبته الداخلية، بل جاءت من الخارج لتعود بكل المنفعة عليه. فإذا ثبتت التهمة على أحد أتباعه، يكون قد نقّى بيدره وأزال الوباء من وسطه. وإذا لم تثبت التهمة، فلن تقع عليه إرتدادات هذا الٳتهام وسيظهر للرأي العام بمظهر المنتصر الشريف الطاهر. بخلاف ذلك، نخشى أن تكون حماية المرتكب ما هي إلاّ للتستير عن مرتكب آخر أرفع شأناً وهكذا دواليك.

أمّا بالنسبة للشعب، تكثر الأمثلة والمقولات عن مسؤولية الشعوب عن فساد أسيادها أو القيّمين على شؤونها، على مثال: “كما أنتم يولّى عليكم”، وخاصة في المجتمعات الديمقراطية حيث تتيح الٳنتخابات النيابية محاسبة الحكّام باستبدالهم. فهل هذا ما جرى في لبنان سنة 2018؟ قانون الٳنتخابات النيابية الأخيرة على القاعدة النسبية، بالرغم من الشوائب التي قد نسبت إليه، أتاح فرصة حقيقية لمحاسبة الطبقة الحاكمة وإفساح المجال لطاقات جديدة واعدة للدخول الى معترك الحياة السياسية. لكن المحصلة كانت غير ذلك من خلال عودة نفس الوجوه التي يلقي عليها أكثر اللبنانيون تبعات بلاياهم. ألا تقع مسؤولية ذلك على الشعب اللبناني؟

ما هو مثلاً السبب الكامن وراء إعادة انتخاب أكثر النواب الذين صوّتوا على قانون سلسلة الرتب والرواتب دون دراسة معمّقة لتداعياته على الٳقتصاد الوطني وعلى مستوى معيشة المواطنين وقدرتهم الشرائية. فإذا كان تصويت النواب لصالح هذا القانون نجح في رشوة موظفي القطاع العام قبيل الٳنتخابات، فلماذا لم يكن له أي تأثير سلبي على مئات الآلاف من أهالي طلاب المدارس الخاصة الذين تسبب هذا القانون بزيادة أقساط أولادهم بنسبة مرتفعة جداً. هؤلاء وحدهم كان بإمكانهم إحداث تغيير جذري في مجلس النواب. ففي السنة الدراسية 2009-2010، بلغ عدد طلاب المدارس الخاصة، حسب مديرية الإحصاء المركزي، حوالي 500 ألف. ليس من سبب يدعو لاعتبار أن تغييراً كبيراً قد حصل في هذا العدد منذ ذلك التاريخ وحتى السنة الدراسية 2017-2018 عند إقرار قانون السلسلة.

إذا قمنا بعملية حسابية بسيطة واعتبرنا أن مقابل كل إثنين أو ثلاثة من طلاّب المدارس الخاصة يوجد ناخبان (الأب والأم)، يعني ذلك أن عدد الناخبين المتأثرين سلبياً وبشكل مباشر من قانون السلسلة يبلغ حوالي 200 الف ناخب. ماذا كان لهذا العدد أن يفعل فيما لو جاءت مشاركته في الٳنتخابات النيابية نابعة من معاناته المعيشية وليس من إصطفافه السياسي الطائفي، أو من تراخيه.

ولكن ثقافة التخاذل والإرتخاء، وعذراً على تسميتها “ثقافة الأركيلة” هي السائدة. شعب مخدّر مسيّر، متعلّم ولكن غير مثقّف، متطوّر ولكن غير متمدّن، يفترق في كل شيء ولكن يتوحّد حول جلاّديه.

إنه ليس القدر، فالشعوب الحيّة تصنع قدرها بنفسها، بعرقها وبدمها. إنه زمن أسود سيطول طيلة تغرّب هذا الشعب عن خالقه. وعند عودته عن ضلاله، إن عاد، سينعم الله عليه بقادة غير عميان، يبصرون الحقّ ويمقتون الباطل، ويسيروا به الى برّ الأمان. فلنصلّي الى قديسي لبنان الكثر، الذين أعطوا للبنان مجده على مرّ الأزمان، كي تقصّر هذه الأيام.

 

 

العودة إلى الصفحة الرئيسية

Continue Reading
Click to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.

*

code

أخبار دينية احتماعية

هل يمكننا جميعا ان نصلي هذه الصلاة؟؟؟؟ صلاة محبة الفقراء

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام: –      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً.  –      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية.  –      يتصفح قراؤنا…

Published

on

By

النظام الغذائي النباتي قد يؤدي لنقص فيتامين بي 12 وتضرر الأعصاب

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين…)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

Continue Reading

أخبار دينية احتماعية

إن كنا نملك العطايا فذلك لكي نكون بدورنا عطايا للآخرين

بمناسبة اليوم العالمي الرابع للفقراء ترأس قداسة البابا فرنسيس صباح الأحد القداس الإلهي في بازيليك القديس بطرس، وللمناسبة ألقى الأب الاقدس عظة قال فيها إن المثل الذي سمعناه لديه بداية ومحور ونهاية، ينيرون بداية ومحور ونهاية حياتنا.تابع البابا يقول البداية. يبدأ كلُّ شيء بخير كبير: رب البيت لا يحتفظ بثروته لنفسه، بل يعطيها لعبيده، أَحَدَهُم…

Published

on

By

النظام الغذائي النباتي قد يؤدي لنقص فيتامين بي 12 وتضرر الأعصاب

بمناسبة اليوم العالمي الرابع للفقراء ترأس قداسة البابا فرنسيس صباح الأحد القداس الإلهي في بازيليك القديس بطرس، وللمناسبة ألقى الأب الاقدس عظة قال فيها إن المثل الذي سمعناه لديه بداية ومحور ونهاية، ينيرون بداية ومحور ونهاية حياتنا.

تابع البابا يقول البداية. يبدأ كلُّ شيء بخير كبير: رب البيت لا يحتفظ بثروته لنفسه، بل يعطيها لعبيده، أَحَدَهُم خَمسَ وَزَنات، وَالثّانِيَ وَزنَتَين، وَالآخَرَ وَزنَةً واحِدَة، كُلًّا مِنهُم عَلى قَدرِ طاقَتِهِ. كانت كلُّ وزنة تساوي أجرة خمس وعشرين سنة تقريبًا وكان ذلك خير وفير يكفي للحياة بأسرها. هذه هي البداية، وبالنسبة لنا أيضًا كلُّ شيء يبدأ بنعمة الله الذي هو أب وقد وضع بين أيدينا خيورًا كثيرة إذ أوكل إلى كلِّ فرد منا وزنات مختلفة. نحن نحمل ثروة كبيرة لا تتعلّق بعدد الأمور التي نملكها وإنما بما نحن عليه: أي الحياة التي نلناها والخير الموجود في داخلنا والجمال الذي لا يمكن لشيء أن يقمعه والذي منحنا الله إياه لأننا على صورته وكل فرد منا هو ثمين في عينيه وفريد ولا بديل له في التاريخ!

أضاف الأب الأقدس يقول كم من المهمِّ أن نتذكّر هذا الأمر: كثيرًا عندما ننظر إلى حياتنا نرى فقط ما ينقصنا، فنستسلم عندها لتجربة الـ “حبذا لو!…”، حبذا لو كان لدي ذلك العمل، حبذا لو كنت أملك ذلك البيت، حبذا لو كان لدي المال والنجاح، حبذا لو لم يكن لدي تلك المشاكلة، حبذا لو كان هناك أشخاص أفضل من حولي!… إن وهم الـ “حبذا لو” يمنعنا من رؤية الخير ويجعلنا ننسى الوزنات التي نملكها. لكنَّ الله قد أوكلها إلينا لأنّه يعرف كلُّ فرد منا ويعرف ما نحن قادرون على فعله؛ هو يثق بنا بالرغم من ضعفنا وهشاشتنا. هو يثق أيضًا بذلك العبد الذي سيخفي الوزنة: ويأمل، بالرغم من مخاوفه، أنّ يستعمل هو أيضًا بشكل جيّد الوزنة التي نالها. إن الله يطلب منا أن نجتهد في الوقت الحاضر بدون حنين للماضي وإنما في الانتظار العامل لعودته.

تابع الحبر الأعظم يقول نصل إلى محور المثل: إنه عمل العبيد، أي الخدمة. الخدمة هي أيضًا عملنا ذلك الذي يجعل وزناتنا تُثمر ويعطي معنى للحياة: في الواقع إن الذي لا يحيا ليخدم لا يصلح للحياة. لكن ما هو أسلوب الخدمة؟ إن العبيد الصالحين بحسب الإنجيل هم الذين يخاطرون. ليسوا مُتحسِّبين وحذرين، ولا يحتفظون بما نالوه بل يتاجرون به. لأن الخير إذا لم يُستَثمَر يضيع؛ ولأن عظمة حياتنا لا تتعلّق بما ندَّخِره وإنما بالثمار التي نحملها. كم من الأشخاص يقضون حياتهم فقط في التجميع والتكديس ويفكّرون في أن تكون حياتهم جيّدة أكثر من أن يصنعوا الخير. ولكن كم هي فارغة تلك الحياة التي تتبع الاحتياجات بدون أن تنظر إلى من هو معوز وفي حاجة! إن كنا نملك العطايا فذلك لكي نكون بدورنا عطايا للآخرين.

أضاف الأب الأقدس يقول تجدر الإشارة إلى أن العبدين اللذين استثمرا وخاطرا دُعيا أربع مرات بصفة “أمين”، فبالنسبة للإنجيل لا وجود للأمانة بدون المخاطرة. أن نكون أمناء لله يعني أن نبذل حياتنا في سبيل الآخرين وأن نسمح للخدمة بأن تقلب مخططاتنا ومشاريعنا. إنّه لأمر محزن أن يكون المسيحي في موقف الدفاع فقط، ومتمسّك فقط بالحفاظ على الشريعة واحترام الوصايا. هذا الأمر لا يكفي، لأن الأمانة ليسوع ليست فقط عدم ارتكاب الأخطاء. هكذا فكّر العبد الكسلان في المثل: إذ كان يفتقد لحس المبادرة والإبداع اختبأ خلف خوف بدون فائدة ودفن الوزنة التي نالها في الأرض. وبالتالي وصفه ربّ البيت بالـ “شرّير”، علمًا أنّه لم يقم بأي تصرّف شرّير! نعم ولكنّه لم يقم أيضًا بأي تصرّف صالح، وفضّل أن يخطئ بالإهمال بدلاً من أن يخاطر ويخطئ. لم يكن أمينًا لله الذي يحب أن يبذل نفسه في سبيل الآخرين وسبب له الإساءة الأسوأ: أعاد إليه العطايا التي نالها. لكن الرب يدعونا لكي نخاطر بسخاء ونتغلّب على الخوف بشجاعة الحب ونتخطّى الخمول والكسل الذي يُصبح تواطئًا ومشاركة في الجريمة. ولذلك في زمن الشك والهشاشة هذا لا نضيِّعَنَّ حياتنا بالتفكير في أنفسنا فقط، ولا نوهمنَّ أنفسنا قائلين: “هناك سلام وأمان!”. يدعونا القديس بولس لكي ننظر إلى الواقع وجهًا لوجه ولكي لا نسمح للامبالاة أن تعدينا.

تابع البابا فرنسيس يقول كيف نخدم إذًا بحسب رغبة الله؟ يشرح رب البيت ذلك للعبد الخائن: “كانَ عَلَيكَ أَن تَضَعَ مالي عِندَ أَصحابِ المَصارِف، وَكُنتُ في عَودَتي أَستَرِدُّ مالي مَعَ الفائِدَة”. من هم بالنسبة لنا أصحاب المصارف القادرين على أن يؤمِّنوا لنا فائدة دائمة؟ إنهم الفقراء: هم يضمنون لنا إيرادًا أبديًّا ويسمحون لنا منذ الآن أن نغتني بالمحبة. إن سفر الأمثال يمدح امرأة عاملةً في المحبة، تفوق قيمتها اللآلِئُّ: وبالتالي علينا أن نتشبّه بهذه المرأة التي يقول عنها النص إنها “تَبسُطُ كَفَّيهَا لِلفَقِيرِ، وَتَمُدُّ يَدَيهَا إِلَى المِسكِينِ”. مُدَّ يدك إلى المحتاج، بدلاً من أن تطالب بما ينقصك: فتُضاعف هكذا المواهب التي نلتها.

أضاف الحبر الأعظم يقول نصل هكذا إلى نهاية المثل: هناك من سيُعطى فَيَفيض وَمَن سيضيّع حياته ويبقى فقيرًا. في نهاية الحياة ستظهر الحقيقة: سيغيب إدعاء العالم الذي وبحسبه يعطي النجاح والسلطة والمال المعنى للحياة، بينما سيظهر الحب الذي منحناه للآخرين على أنّه الغنى الحقيقي. يكتب أحد آباء الكنيسة العظام: “هكذا يحدث في الحياة: بعد أن يأتي الموت وينتهي العرض، يخلع الجميع أقنعة الغنى والفقر ويتركون هذا العالم. ويتم الحكم عليهم فقط على أساس أعمالهم، بعضهم أغنياء حقًّا، وبعضهم فقراء”. وبالتالي إذا كنّا لا نريد أن نحيا بفقر، لنطلب نعمة أن نرى يسوع في الفقراء وأن نخدم يسوع في الفقراء.

وختم البابا فرنسيس عظته بالقول أرغب في أن أشكر العديد من خدام الله الأمناء الذين لا يجعلون الأشخاص يتحدّثون عنهم ولكنّهم يعيشون هذه الشهادة. أفكّر على سبيل المثال بالأب روبيرتو ملغيزيني. هذا الكاهن لم يكن يقدّم نظريات؛ وإنما كان يرى ببساطة يسوع في الفقراء ومعنى الحياة في الخدمة. كان يمسح الدموع بوداعة باسم الله الذي يعزّي. كانت الصلاة بداية يومه لكي يقبل نعمة الله، والمحبة محور يومه لكي يجعل الحب الذي ناله يثمر، وختامه شهادة صافية للإنجيل. لقد فهم أنّه عليه أن يمدَّ يده للعديد من الفقراء الذين كان يلتقي بهم يوميًّا، لأنّه كان يرى يسوع في كلِّ واحد منهم. لنطلب نعمة ألا نكون مسيحيي كلمات وإنما أفعال لكي نُثمر كما يريد يسوع.

Continue Reading

أخبار دينية احتماعية

كيف نوقظ الوعي الموسيقي لدى أطفالنا؟

يتشكّل إحساس الطفل الفني منذ نعومة أظفاره، وبالتالي مساعدة طفلنا على تذوّق الموسيقى ليس بالأمر الصعب إذا ما قمنا به بالطريقة المناسبة.تقدّم ماري-بيار بيكو، وهي أم وعازفة أرغن ومعلّمة موسيقى، بعض النصائح للأهل ليتمكنوا من نقل شغفهم بالموسيقى إلى أولادهم.كيف نجعل طفلنا يكتشف الجمال من خلال الموسيقى؟علينا إشراك عاطفة الطفل ومشاعره. فإذا أردتم أن تأخذوا…

Published

on

By

النظام الغذائي النباتي قد يؤدي لنقص فيتامين بي 12 وتضرر الأعصاب

يتشكّل إحساس الطفل الفني منذ نعومة أظفاره، وبالتالي مساعدة طفلنا على تذوّق الموسيقى ليس بالأمر الصعب إذا ما قمنا به بالطريقة المناسبة.

تقدّم ماري-بيار بيكو، وهي أم وعازفة أرغن ومعلّمة موسيقى، بعض النصائح للأهل ليتمكنوا من نقل شغفهم بالموسيقى إلى أولادهم.

كيف نجعل طفلنا يكتشف الجمال من خلال الموسيقى؟

علينا إشراك عاطفة الطفل ومشاعره. فإذا أردتم أن تأخذوا طفلكم لحضور حفلة موسيقية، اصطحبوا صديقه المفضّل أيضًا! أشرحوا له عن حبّكم لموسيقى معيّنة وأخبروه بما يذكركم المقطع الموسيقي المفضّل لديكم. فعلى سبيل المثال، يعيد جوهان باشلبل الباس في مقطوعاته التي تعكس بالتالي الثبات والإصرار، وأنا أرى أن هذه الموسيقى هي صورة لإصرار الإنسان. كما عليكم أن تشرحوا لطفلكم عن سبب عدم إعجابكم بنوع معيّن آخر من الموسيقى. وافعلوا الشيء نفسه في الرسم وأمام اللوحات الفنية حيث عليكم أن تقولوا لطفلكم مثلًا أنكم تحبون ألوانها ولكنّكم لا تفهمون معناها.

بأي نوع من الموسيقى نبدأ؟

علينا اقتراح جميع أنواع الموسيقى على أطفالنا. فقد نأخذهم مثلًا إلى اختبارات المدارس الموسيقية، أو الحفلات الموسيقية الخاصة بعيد الميلاد، أو حتّى إلى الأوركسترا، حيث غالبًا ما نجد جمهورًا مناسبًا ونحظى بتصفيق كبير. فما يحصل داخل هذه الصالات هو المهم بالنسبة إلى الطفل الذي يقدر على إدراك جميع هذه الأحداث. عليكم إذًا أن تصطحبوا جميع أطفالكم، حتّى الصغار منهم الذين ما يزالون ينامون مع لعبتهم، إلى هذه الحفلات الموسيقية. ولا تنتظروا بلوغهم سنّ المراهقة، فالمراهقون كثيرو الانتقاد. أمّا فيما يخص أنواع الموسيقى، فكلّها جيّدة مثل الموسيقى الكلاسيكية أو حتى تنوعاتها مثل “البيتلز”.

وأخيرًا، علينا إعطاء أطفالنا فرصة اختبار المشاعر الموسيقية المكثفة. وعلى سبيل المثال، عندما كنت في سنّ الخامسة، سمعت غناء امرأة ترتدي ثوبًا باللون الأحمر القرمزي، ولا زلت أتذكر هذا الحدث حتى اليوم لأن هذه المرأة جعلتني أرغب بالدخول إلى عالم الموسيقيين. ولكن احذروا، فعليكم إعطاء جرعات صغيرة من الموسيقى لكي لا يفقد طفلكم رغبته. اتركوا لطفلكم حريّة اختيار الموسيقى التي تناسب ذوقه. فلن ينقص حبّ والداه له إذا ما لم يحب نوعًا معينًا من الموسيقى!

كيف نتعامل مع الطفل الذي يحب الموسيقى العصرية؟

عندما يكتشف طفلكم مغنيًا عصريًا، اسألوه عمّا إذا كان يعجبه، وإذا كان يعتبره ذكيًا، وعمّا إذا كان يرغب بالتعرّف إليه، فمن المهم أن نجعل الطفل يعبّر عن سبب حبّه لهذا المغني. كما يحقّ للأهل أن يعبّروا عن عدم إعجابهم بهذا المغني أو بموسيقاه من دون أن يصفوه بالرديء.

علينا أن نفهم أن المراهقين يبحثون دائمًا عن قدوة ليحتذوا بها، وهم بحاجة للمشاركة في مجموعة يتشارك أعضاؤها الأشياء التي يحبونها. فكلّما شعر المراهق بحريته باختيار الفنان الذي يريده، كلّما أسرع بالتخلّص من هذا الإعجاب. وانتبهوا من روح المعارضة، فإذا قلتم لهذا المراهق بأن فنّانه المفضّل سيء، سيتشبث برأيه. أعطوا إذًا أطفالكم حرية اختيار فنانيهم المفضلين ولكن في الوقت نفسه وجهوهم إلى أشخاص آخرين. بإمكاننا على سبيل المثال إسماعهم مغنين من عصرنا ليتمكنوا من خلق صلة وصل مع الموسيقى القديمة

يتغيّر ذوق الأطفال الموسيقي مع تغيّر سنهم، والنضج يتحكّم فيه. فلكلّ عمر ذوقه الخاص، لذا بإمكاننا أن نقول إن مرحلة “الذوق الموسيقي السيء” لدى الأطفال هو طريق لا بدّ من سلوكه.

هل يمكن للجميع الاستمتاع بالموسيقى؟

ليس من الضروري أن يكون المرء خبيرًا للاستمتاع بالموسيقى، بل يكفيه أن يتعلّم أن يحلم على إيقاع موسيقى معينة من دون التردّد بالبوح بما يجول في ذهنه، وبالتالي ترجمة هذا الشعور الموسيقى إلى كلام. من المهم أيضًا أن نجعل أطفالنا يتذوقون عرضًا موسيقيًا دون الآخر. فعلى سبيل المثال، لاحظ أطفالي أنهم قد يرقصون على أنغام عرض موسيقي معيّن، بينما لم يكن لعرض آخر لنفس الموسيقى أي تأثير عليهم!

ولكن قد يتطلّب بعض أنواع الموسيقى قليلًا من التفسير!

بالتأكيد. فالمنظور الذي نتذوق الموسيقى من خلاله، سواء كان فكريًا أو علميا، يولّد مشاعر موسيقية قوية. أهدتني والدتي ذات يوم سوناتًا لسيزار فرانك وقد استمعت إليه كثيرًا إلى أن أحببته. فقد تختلف بعض الألحان عن بعضها البعض من ناحية صعبة فهمها، ولكنها قد تنتج آثارًا تشبه التأثيرات الضوئية المستخدمة في اللوحات المائية…

ما هي نصيحتكم للأهل الذين يرغب أطفالهم بتعلّم العزف على آلة موسيقية ما؟

أهم شيء برأيي هو أن يتعلّم الطفل لدى معلّم إنساني جدًا، فتعلّم الموسيقى يشمل جزءًا عاطفيًا كبيرًا. فمثلًا، تسعى ابنتي التي تعزف على الكمان أن تعزف مقطوعتها تمامًا كما عزفها معلّمها أمامها، وذلك لأن لديها العديد من النقاط المشتركة معه. كما أن المعلّم الجيد هو الذي يريد تنمية تلاميذه، فإذا تلقى التلميذ الاحترام اللازم، سيشعر بالحريّة عند العزف على آلته. وفي الحقيقة، إنّ العزف الموسيقي هو إظهار نفسنا على طبيعتنا.

ولهذا السبب لا أتردد في التشديد على ضرورة اختيار المعلّم قبل الآلة الموسيقية حتى. فإذا لم يطوّر التلميذ علاقة متينة مع أستاذه، من الأفضل ألّا نصرّ عليه. وقد يكون المعلّم السيء “ضارًا” على المدى البعيد للطفل الذي يتمتّع بموهبة موسيقية حقيقية.







إقرأ أيضاً

كيف نعيد إحياء علاقتنا الزوجية بعد أن وصلنا إلى طريق مسدود؟





brother, sister, boy, girl, sad, comforts



إقرأ أيضاً

كيف توقظ التعاطف لدى أطفالك وتنمّيه؟



Continue Reading
error: Content is protected !!