لا… محبسة مار شربل الحقيقيّة ليست في عنّايا - Lebanon news - أخبار لبنان

لا… محبسة مار شربل الحقيقيّة ليست في عنّايا

لا… محبسة مار شربل الحقيقيّة ليست في عنّايا

لبنان/ أليتيا (aleteia.org/ar) تعدّدت أنواع وطرق الاستحباس في مسيرة الكنيسة الكاثوليكيّة منذ القرون الأولى، من دون أن تنشأ الظاهرة معها، نرى مثلًا اليهود الّذين تركوا الدنيا اعتزلوا ليستعدّوا لمجيء المخلّص… فمصطلح الحبيس يعني الإنسان المنقطع عن النَّاس معتزلًا في الخلاء أو في صومعة أو محبسة أو دير. ورأينا أشكالًا مختلفة من الاستحباس منها الانقطاع الكامل أو الجزئيّ؛ منهم من افترش العراء وحيدًا أو ضمن جماعة في دير أو في صحراء أو كهف… ورغم التنوّع إنّما تبقى المحبسة الحقيقيّة واحدة خارج أيّ زمان ومكان، في داخل الإنسان حيث اللّقاء بالله.

بالأجنبيّة، أصل كلمة ” hermite ” يأتي من ” ἐρημίτης ” باللّغة اليونانيّة القديمة، والكلمة مشتقّة من ” ἔρημος ” أي ” erêmos ” ومعناها الصحراء أو الوحدة أو الفراغ. والحال أنّ الحبيس ليس فقط من يعتزل في مكان ما ظاهريًّا، بل عمق المعنى هو السعي للدخول كلّيًّا إلى صحراء الذات وفراغها ووحدتها الداخليّة، إلى الخواء والخلاء حيث يرفرف الروح (سفر التكوين 1/2)؛ فيتحرّر ويسكن الروح الّذي ولده ويدفق فيه حبًّا وحياةً أبديّة خارج كلّ مكان وزمان.

بالواقع الملموس، لقد دخل الأب شربل إلى محبسة مار بطرس وبولس يوم 15 شباط 1875، وخرج منها عشيّة عيد الميلاد في 24 كانون الأوّل 1898. لكنّ المحبسة الحقيقيّة الّتي سعى ليسكنها ليست في مكان ولا زمان. تحرّر وسكن عمق الداخل في حياة من قال أنّه “الطريق والحقّ والحياة”، فصارت محبسته الداخليّة تلك الحياة حيث لقائه المكانيّ والزمانيّ متحرّرًا من كلّ مكان وزمان ليطال بالحبّ والروح كلّ أمكنة العالم وأزمنتها. صلّى في جدران كنيسة المحبسة، ونام في حدود قلّايةٍ صغيرة، لكنّه فعليًّا سكن قلّايته ومحبسته الداخليّة اللّامحدودة حيث تأمّل وغاص بالكلمة. ولذلك نردّد في كلمات إحدى التراتيل: “شربل فيك حبَسْتو، شو حِلوة مَحبستو”. ولذا أيضًا، يُحكى أنّ الأب شربل لم يتأثّر بالصاعقة الّتي ضربت جانب المحبسة، إذ كان يسكن اللّقاء بحبيبه في اللّامكان.

وبمفهوم لغة مار بولس، لقد بنى الحبيس شربل “إنسانه الباطنيّ” فاستحبس وسكن الرحم الّذي ولده بالروح في الحياة الأبديّة. إنّ محبسة مار شربل الحقيقيّة هي رحم الله في داخلنا، رحم الحياة – الحبّ الّذي يحرّرنا لنحبّ ونحيا بالروح. وولادته الحقيقيّة ليست الدخول والعيش في محبسة الظاهر على تلّة عنّايا أو خروجه منها، بل هي ولادة يوميّة بالروح في المحبسة الداخليّة.

وإن كانت زيارة المحبسة الظاهريّة مهمّة وربّما ضروريّة، يبقى الأساس البناء اليوميّ للمحبسة الداخليّة و”الإنسان الباطنيّ الجديد” من خلال المضيّ في مسيرة إلى عمق الذات، حيث نلتقي الحبيس شربل بالروح في عمق رحم الله الواحد في داخلنا. وأخيرًا نختم مع مار بولس “إذا كان الإنسان الظاهر فينا يخرب، فالإنسان الباطن يتجدّد يومًا بعد يوم” (2 كور 4/16). ونناشد معه من صلاته في أفسس 3/ 14-19: “أجثو على ركبتيّ للآب… وأسأله أن يهب لكم على مقدار سعة مجده أن تشتدّوا بروحه، ليقوى فيكم الإنسان الباطن، وأن يقيم المسيح في قلوبكم بالإيمان، حتّى إذا ما تأصّلتم في المحبّة وتأسّستم عليها… تمتلئوا بكلّ ما في الله من كمال”.

العودة الى الصفحة الرئيسية

leave a reply