لا يجوز أن نلعب مع الأيقونات المقدّسة ولا أن نتهاون بها ولا نسمح لغيرنا أن يفعل الأمر عينه - Lebanon news - أخبار لبنان

لا يجوز أن نلعب مع الأيقونات المقدّسة ولا أن نتهاون بها ولا نسمح لغيرنا أن يفعل الأمر عينه

لا يجوز أن نلعب مع الأيقونات المقدّسة ولا أن نتهاون بها ولا نسمح لغيرنا أن يفعل الأمر عينه

نشرت جاكيلت غطاس على صفحتها هذا النص المأخوذ من صفحة ” صوت الكنيسة الارثوذكسية من القدس”:

في صالون من الطراز الرفيع، مفروش بذوق رفيع كانت تدبّ حركة كثيفة من الأقارب والأصدقاء، جاءوا بناء على دعوة من صاحبَي البيت وهما عروسان جديدان. الزوج شابّ مثقّف آتٍ من الريف. وأمّا الزوجة، فهي من عائلة غنيّة أرستقراطيّة ترعرعت بين البيانو وتعلم اللغات الأجنبيّة. أخذت سيّدة المنزل تتجوّل مع زائريها بين أرجاء بيتها وهي تقول:

– هذه الزاوية كلاسيكيّة، وهذا الكرسيّ من طراز لويس الخامس عشر.
– رائع، رائع! هتفت إحدى السيّدات. ولكن، ما هذه اللوحات الرائعة! أكاد أجنّ بهؤلاء الرسّامين المبدعين.

وهكذا استمرّت الجولة على هذه الحال من زاوية إلى أخرى. وفي ركن من أركان الصالون وُضعت أدوات معدنيّة يشعّ بريقها: “إنّها زاوية عصريّة، قال ربُّ البيت، فزوجتي وأنا نفضّلها، في الحقيقة، على الزوايا الأخرى.

همّت إحدى الحاضرات بالإجابة، ولكن دفعة من الخلف أسكتتها. ولمّا التفتت لتصبّ جام غضبها على عديم الإحساس هذا، وجدت شخصًا متقدّمًا في السنّ نحيلًا ذا شارب، لا يتماشى مع صالون رفيع كهذا: “يا له من فلّاح سمج، لا بدّ أنّه والد الزوج”، قالت في نفسها.

“طبعًا هذه اللوحات، تابعت ربّة البيت، تخصّ رسّامين كبار. فهذه لوحة للرسّام تولوز لوتريك، وتلك التي على اليمين تخصّ أحد تلاميذ بيكاسو. والآن، أرجوكم اتبعوني لننتقل إلى الزاوية البيزنطيّة. هذه اللوحة للرسام مايكل أنجلو، والأخرى لليوناردو دافنشي، وهذه لبارتينيس. ثمّ أترون هنا… عندنا قطع فريدة من الإيقونات. قطعة الرسم التي هنا على اليسار فإنّها رائعة جدًّا وقديمة جدًّا، ولا بدَّ أن يكون من رسمها من مدرسة الرسّام العالمي الشهير بانسيلينوس. لاحظوا فيها تعابير الخطوط في الحصان وأطراف الوشاح و…”.

في تلك اللحظة حصلت الكارثة. فالشيخ القرويّ البريء الذي كان يتابع الشرح عن كلّ هذه المعروضات والأثريّات، سمّر ألحاظه، ثمّ هتف بصوت غير لائق أمام الحضور وغير مناسب في صالون كهذا: “إنّها أيقونة القدّيس ميناس، فَلْيشملْنا ببركته وصلواته”. ثمّ أبعد المدعوّين من أمامه حتّى وصل إلى حيث عُلِّقت الأيقونة، فانحنى أمامها راسمًا إشارة الصليب على وجهه، ثمَّ قبّلها بورع وخشوع، وأضاف: “ليكن اسم القدّيس ميناس مبارَكًا. أعطيني، يا عروستي، قنديلًا لنشعله أمامه ما دمنا في مساء السبت”. وعندها سادت الفوضى في القاعة الفخمة.

– لقد لوَّث هذا العجوز الأيقونة بتقبيله إيّاها وسيفسد الألوان، صاحت إحدى السيّدات بحماس كبير.
– اسمعوا ماذا يطلب؟!! إنّه يطلب قنديل زيت ليشعله، كي يملأ البيت دخانًا، أضافت والدة العروس باشمئزاز.
– ما هذا التصرّف يا أبي؟ قال الابن. ثمّ قاد والده إلى غرفة مجاورة لتوجيه الملاحظات له، إلّا أنَّ هذا الأخير تدارك الأمر، وقال:
– استيقظ، يا ولدي، ولا تدع هؤلاء النسوة المتعجرفات يجرفنك بكلامهنّ المعسول البائس. لقد لاحظت تصرّفات سخيفة، وسمعت أقوالًا أسخف منها، ولكنّي مع هذا كلّه لم أتكلّم، وقلت، إنّهم شباب أتوا من العاصمة وذوي عادات وتقاليد مغايرة لنا. إنّما لا يجوز أن نلعب مع الأيقونات المقدّسة ولا أن نتهاون بها، ولا نسمح لغيرنا أن يفعل الأمر عينه. هذه ليست لوحات عرض نعرضها على الملأ، أو نسدّ بها فراغًا ما في بيتنا، أو نزيّن بها زاوية ما لغاية ما. هذه الإيقونات فيها روح وفيها نار. لا يتناسب معها النور والإضاءة بل القنديل، والقنديل، فقط، لا غيره. ويجب أن توضع في مكان متواضع ووقور. وعلى كلّ من يراها، أن يخفض أنظاره لا بل رأسه وجسده، أيضًا، باحترام. انتبه، يا ولدي! لقد أرسلتك إلى العاصمة كي تصبح إنسانًا ذا أهليّة ومكانة، ولم أرسلك كي تصبح هازئًا وعابثًا بالإلهيّات كالآخرين.

وقال الأب الشيخ الكثير الكثير، فيما كان الابن يضبط نفسه بعناء. وما إن نجح في ذلك، حتّى عاد إلى الصالون الكبير وهو يفكّر بعمق بما قاله أبوه له. إلّا أنّ المدعوين في هذه الأثناء كانوا قد عبروا إلى غرفة مجاورة لتناول بعض الحلويّات وشرب المشروبات.

اقترب الابن من الأيقونة المقدّسة وتوقّف للحظة، ثمّ تمتم قائلًا: “سامحنا، أيّها القدّيس ميناس”. وانحنى أمامها وقبّلها بخشوع واحترام.

leave a reply

*

code

error: Content is protected !!