كيف تتغلب على مشكلة تأجيل الأعمال حتى اللحظات الأخيرة؟ - Lebanon news - أخبار لبنان

كيف تتغلب على مشكلة تأجيل الأعمال حتى اللحظات الأخيرة؟

كيف تتغلب على مشكلة تأجيل الأعمال حتى اللحظات الأخيرة؟

مصدر الصورة
Getty Images

شعر أصدقاء الموسيقار الشهير موتسارت بالقلق عندما شاهدوه يحتسي الخمر في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1787، لأن ذلك كان اليوم السابق لأحدث عروضه الموسيقية آنذاك، والذي كان يحمل اسم “دون جيوفاني”.

ونعرف أن هذا العمل أصبح لاحقا أحد أشهر الأعمال الموسيقية في التاريخ وأبرز روائع الموسيقى التي مازال صداها يتردد في دور الأوبرا حول العالم منذ مئات السنين.
وكانت هناك مشكلة واحدة، وهي أن وولفغانغ أماديوس موتسارت لم يكن قد ألف بعد مقدمة العمل! ويبدو أن هذا الموسيقي الفذ كان يرجئ عمله حتى اللحظات الأخيرة. وكان موتسارت قد عمل فعلا خلال ذلك اليوم، لكن على شيء آخر.

وبحسب ما نشر عام 1845 من رواية للأحداث في تلك الفترة، تمكن رفاق موتسارت أخيرا من إقناعه بأنه لم يعد هناك متسع من الوقت لتأجيل الأمر أكثر من ذلك، فعاد إلى غرفته في منتصف الليل وظل يعمل دون توقف وعملت زوجته جاهدة على إبقائه مستيقظا طوال الليل. وفي النهاية، أنجز المهمة لكن عرض الأمسية التالية تأخر بسبب عدم طباعة المقدمة الموسيقية والتدرب عليها في الموعد المحدد.
وإذا كنت مثل موتسارت تقضي الوقت في أي شيء غير مهم وتؤجل عملك الأساسي حتى آخر لحظة، فقد تكون بحاجة إلى المساعدة للتغلب على هذا الأمر.

طلاب ألمان يدشنون مشروعا مبتكرا لمواجهة غلاء السكن الجامعي
كيف تنجح العلاقات العاطفية رغم بُعد المسافة؟

مصدر الصورة
Getty Images

Image caption

حتى الموسيقار الفذ موتسارت يبدو أنه كان لا ينجز المهام في موعدها

ورغم أن من يؤجلون عملهم يبدون وكأنهم فخورون بما يفعلونه، فهناك أدلة متنامية على أن تأجيل الأعمال أمر سيء.
وقد خلصت دراسة أجريت عام 2013 إلى أن من يؤجلون عملهم يحصلون على أقل الرواتب ولا يدوم عملهم طويلا، ويرجح انضمامهم لصفوف العاطلين بشكل أو آخر.
كما أنه ليس هناك متعة حقيقية تعود على المرء من تأجيل العمل، إذ نعلم في قرارة أنفسنا أن التأجيل يزيدنا توترا، وقد يصيبنا بالمرض ويدمر حياتنا.
وهناك أسلوب مبتكر لمساعدة من يعانون من تأجيل العمل. ويعتمد هذا الأسلوب على وضع جدول أسبوعي يحدد أوقاتا بعينها لمهام محددة. لكن الجديد هو جدولة الأنشطة التي يحبها المرء، وليس مهام العمل، مثل لقاء الأصدقاء على العشاء والأنشطة التي تجعل المرء سعيدا وقادرا على العمل، مثل تخصيص وقت للركض، وساعات كافية للنوم كل ليلة، وأخيرا إضافة الالتزامات المسبقة من قبيل الإجازات والاجتماعات.
ولا يحتوي الجدول أبدا على أشياء من قبيل “كتابة مذكرة” أو “الانتهاء من مشروع” أو “مراجعة للامتحانات” أو غيرها من مهام العمل التقليدية.
وكان أول من توصل إلى هذا الأسلوب هو نيل فيور، وهو عالم نفس ومتخصص في علاج مشكلة التأجيل، والذي تحدث عن ذلك الأسلوب في كتابه “العادة الراهنة” عام 1988. وقد أشاد كثيرون بهذا الأسلوب وتحدثوا عنه في مدونات ومقاطع فيديو على الإنترنت، واستشهدوا به في المؤلفات التي تقدم نصائح للمساعدة على التخلص من مشكلة التأجيل، حتى أصبح مألوفا ضمن نصائح المعالجين النفسيين.
في البداية، لاحظ فيور مخاطر التأجيل خلال عمله بجامعة كاليفورنيا في بيركلي. ففي ذلك الوقت، كان فيور قد صاغ أطروحته للدكتوراة خلال عام واحد – وهو أمر رائع للغاية، نظرا لأن الوقت يمتد في المتوسط تسعة أو عشرة أشهر أكثر مما يخطط له الطالب وتنتهي المهمة في بعض الأحيان بعد عشرات السنين (الرقم القياسي للحصول على الدكتوراة هو 77 عاما، وإن كانت هناك ظروف قهرية). لذا، بدأ فيور يقدم الدعم للأشخاص الذين يواجهون صعوبات تتعلق بالانتهاء من أطروحاتهم.
وخلال الأشهر التالية، لاحظ فيور أمرا لم يتوقعه، ويقول عن ذلك: “من انتهوا من أطروحاتهم خلال عام إلى عامين كانوا الأكثر انشغالا في حياتهم مقارنة بمن أنهوها خلال ثلاثة إلى 13 عاما، إذ كان عليهم مراعاة علاقات اجتماعية ومناسبات عامة. وفي حالتي كنت أعمل أيضا في وظيفة تأخذ من وقتي 40 ساعة أسبوعيا”.

مصدر الصورة
Getty Images

Image caption

تخصيص الوقت أسبوعيا لمهام ممتعة يعود بالفائدة على العمل والصحة معا

ويفيد وضع جدول للأنشطة في أنه بدلا من التفكير باستمرار في المهام المطلوبة والاجتماعات المملة التي تثقل الحياة وتصيب الشخص بالملل، يجد المرء أمامه أسبوعا يتطلع إليه وبإمكانه أن يتحكم في مساره. كما أن تحديد الأوقات المخصصة للمتعة والالتزامات الأخرى يجعل المرء يعرف جيدا الوقت المتبقي للعمل، وبالتالي يبادر بالتحرك من أجل إنهاء هذا العمل!
ودائما ما يكون الشيء الأصعب هو التحرك لبدء العمل، لذا يجب فهم الأسباب التي تجعل الشخص يتلكأ في المقام الأول. فما الذي يدفعنا للشعور بالقلق لساعات بينما يمكننا بدء العمل فورا؟
وتشجع جين بيركا، عالمة نفس بأوكلاند كاليفورنيا والتي شاركت هي وزميلتها لينورا يوين في تأليف كتاب “لماذا نتلكأ وكيف نكف عن التأجيل الآن”، الاعتماد على وضع جدول للأنشطة التي يعتزم المرء القيام بها.
وكانت بيركا قد التقت بزميلتها يوين أثناء عملهما بمركز استشارات الطلبة بجامعة كاليفورنيا بيركلي. وكما حدث مع فيور، بدأت بيركا تبحث في أمر مسألة التأجيل بعد ما لاحظت معاناة طلبة الدكتوراة.
ولاحظت بيركا ويوين أن هناك قواسم مشتركة بين من يؤجلون العمل، مثل التعامل مع الوقت بشكل غير واقعي والرغبة في الوصول إلى الكمال. ولاحظت بيركا أن هناك جذورا أعمق من الناحية النفسية لعملية تأجيل العمل، رغم أن الكثيرين يعتبرون “التراخي مشكلة بسيطة لا علاقة لها إلا بسوء إدارة الوقت والكسل”.
لكن بيركا تقول: “من يعانون من عادة تأجيل الأمور يحملون فشلهم على شماعة التأجيل بدلا من الاعتراف بأن العمل الذي قاموا به لم يكن على المستوى المطلوب. أما إذ حالفهم النجاح في اللحظة الأخيرة فسيهنئون أنفسهم بقدرتهم على إنجاز المستحيل في الوقت الضائع”.
وهنا يأتي الجزء الثاني من طريقة جدولة الأنشطة. فبعد وضع الجدول الأسبوعي يتعين عليك ألا تقلق نفسك بخطط لا تستطيع تنفيذها. وبدلا من ذلك، يُنصح بالتركيز على المهمة المطلوبة لمدة 15 دقيقة فقط، لأن أي شخص يستطيع الالتزام لفترة قصيرة من الوقت. لكن الأهم هو البدء فعلا في العمل بدلا من التركيز على النهاية، وهو ما يساعد على تجنب بعض المخاوف التي قد تكون لدى البعض بشأن تحقيق أهدافهم.
تقول بيركا إن النجاح يعتمد على إنجاز المهام الصغيرة في وقتها بدلا من القيام بجهد هائل مرة واحدة.
وقد توصل فيور إلى فكرة “الدقائق الخمس عشرة” حين كان يساعد أشخاصا يعانون من مخاوف مرضية، ويقول عن ذلك: “عالجت مشكلة التأجيل باعتبارها قلقا مرضيا من العمل، فالمرء يتجنب ما يعتبره تهديدا خطيرا، والسبيل للتغلب على هذا الخوف هو مواجهته على دفعات صغيرة”.
وقد أظهرت بحوث طبية أن الأشخاص الذين يؤجلون عملهم يعانون في الغالب من الاكتئاب والقلق. كما وجدت دراسة أجريت عام 2014 أن الطلبة الذين يعانون من اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط يرجح أن يعمدوا للتأجيل، بل يرجح البعض أن موتسارت كان سيشخص بالإصابة بهذا الاضطراب أو بمتلازمة “توريت” الشبيهة، لو كان بيننا اليوم.
فقد كتب متابع لسيرته الذاتية أنه كان يتشتت بسهولة دون أن يولي انتباهه للأمور الهامة. وقالت شقيقته ذات يوم إنه “يتصرف كالأطفال”. ولا شك أن الموسيقي الفذ كان يعاني من مشكلات كانت تجعله يؤجل الأمور حتى اللحظات الأخيرة.
وأخيرا، يوصي فيور بتبني لغة جديدة لوصف العمل، فبدلا من القول “يجب أن” أو “لابد أن” يقترح القول “اخترت أن”، وهو ما يضع العمل في دائرة إيجابية ويحسم المعركة الداخلية بين الرغبة في التأجيل والحافز للذهاب للعمل.
يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على صفحة BBC Capital

leave a reply