Connect with us
[adrotate group="1"]

اخر الاخبار

من دمشق إلى فرانكفورت: عندما يعالج الطبخ متاعب الوحدة

ريتا باريش مصرفية ومدرسة في جامعة فرانكفورت وهاوية للطبخ مصدر الصورة Rita Bariche لم تكن علاقتي بالمطبخ استثنائية عندما كنت أعيش في الوطن (سوريا)؛ كحال معظم الفتيات العربيات دخلت المطبخ في سن مبكرة تيمناً بأمي وجدتي، أما والدي فقلما كان يدخل المنزل غير محمّل بأكياس الخضار والفاكهة. لهذا كنت دائما في حالة تحدِّ مع الزمن…

Published

on

من دمشق إلى فرانكفورت: عندما يعالج الطبخ متاعب الوحدة

ريتا باريش
مصرفية ومدرسة في جامعة فرانكفورت وهاوية للطبخ

مصدر الصورة
Rita Bariche

لم تكن علاقتي بالمطبخ استثنائية عندما كنت أعيش في الوطن (سوريا)؛ كحال معظم الفتيات العربيات دخلت المطبخ في سن مبكرة تيمناً بأمي وجدتي، أما والدي فقلما كان يدخل المنزل غير محمّل بأكياس الخضار والفاكهة. لهذا كنت دائما في حالة تحدِّ مع الزمن لتدبر أمر تلك الكميات الضخمة قبل أن تفسد، فأسرع إلى تطبيق وتجريب وصفات جديدة من المطبخ العالمي كمهمة إنقاذية.

حين هاجرت إلى ألمانيا كنت بحاجة إلى مكان يفوح بروائح مألوفة، كنت بحاجة إلى الشعور بالإنجاز في مكان لا تاريخ لي فيه، إلى تحدي المواد الغريبة عنا وتطويعها لتصبح مشابهة لما عرفناه، وإلى مائدة أجمع حولها بعض المعارف والأصدقاء كي لا ينتهي بي الأمر إلى تناول طعامي وحيدة في شقة لم أختر تفاصيلها. أردت أن أخلق حواراً يوقظ اهتمامات مشتركة في وقت كان فيه الحديث عن الصراع الدائر في سوريا أمراً يصعب تجنّبه.
أنشأت صفحة على فيسبوك عام 2014، بعد أقل من عام على استقراري في ألمانيا، وأسميتها “مطبخ غربة”.

لم أتوقع يوماً أن يصل متابعو المجموعة إلى عشرين ألفاً، كان كل ما سعيت إليه كان خلق مساحة للأصدقاء ليعبروا من خلالها أن يعبروا عن أنفسهم وعن حنينهم وإنجازاتهم بواسطة الطبخ.

مصدر الصورة
Rita Bariche

التغيير قادم والمطبخ يقول كلمته
الطعام نافذة من الفضول لاكتشاف الآخر وسماع قصته.
كثيراً ما أضبط نفسي متلبسة وأنا أتلصص على مشتريات الشخص الذي يسبقني في طابور السوبرماركت. أحاول التنبؤ بنمط حياته وحجم عائلته، أرسم ملامحه وأصوله، وأقيم درجة انفتاحه وجرأته. أحياناً أخرى وفي غمرة الفضول، أحدق في أطباق الناس في المطاعم المختلفة. أجعل من الأمر برمته لعبة؛ لعبة ثقافية قد تساعدني كي آلف بلد الاغتراب وسكانه.
من مكاني كمراقبة لمطابخ الغربة، لاحظت أشياء أبعد من الوصفات وثقافة بلدانها؛ تمكنت من تلمس تحولات على الوصفات تدخل بقوة على ما ورثته من نساء عائلتي وحملته معي زاداً إلى المهجر. كل ما يحدث من حولي من تغيرات في الظروف الاقتصادية والبيئة والمجتمع والعادات، يغلي أيضاً في القدر الذي أطهو فيه عشائي وتمتزج مكوناته لتعلن عن التغيير في الوجبات ومحتويات البراد، شئت ذلك أم أبيت.
في النقاشات التي أتابعها على مجموعة “مطبخ غربة” بين أشخاص مقيمين في بلدان تختلف مواقعها الجغرافية لكنها قد تتشابه فيما تفرضه على المهاجرين إليها، استطعت أن أدرك أن هناك تغييراً قادماً لا محالة، يسرع خطاه على وقع تكاثف حركات الهجرة واللجوء في الأعوام الأخيرة.
في الغربة يرحب البعض بالتغيير ويقاومه آخرون، والسؤال، كيف سيكون هذا التغيير؟
أحاول العثور على إجابة بين سطور صفحات التواصل الاجتماعي دون الوصول إلى إجابة واحدة، لكنني على يقين بأن حدوث التغيير هو الأمر الوحيد الثابت. أشاهد الناس يتحايلون على قسوة غياب مكونات الطبخ، فتولد طرق جديدة تعلن مرغمة القطيعة مع طريقة الأم والجدة. الوصفة تتحول بمرور الزمن إلى وصفة أخرى تعمدت باسم البلد المضيف، كالكيبي البرازيلية التي وجدت بوحي من المهاجرين السوريين واللبنانيين الأوائل في مطلع القرن الماضي، وكانت محاولة منهم آنذاك لمحاكاة الكبة في الوطن بما توفر من مواد، غير أنها اليوم لا تشبه كبتنا في شيء على الرغم من كونها طبقاً لذيذاً مازال طعم البرغل والنعناع فيه يشي بمنبته الأصيل. أراقب من بقي في الوطن، محاولاً تدبر الأمور بالقليل المتاح ضمن ظروف الحصار والحرب والتدهور الاقتصادي والكساد والبطالة، فلا أطباق الوطن تشبه ما عرفناه في ماضينا ولا وصفات الغربة.

مصدر الصورة
Rita Bariche

من يلبس المريول؟
‏تغيرت الأدوار الجندرية أيضا ولكن ‏لم ‏تتبدل كلياً، ويمكن أن نستشف هذا التغيير من خلال تعليقات الشبان ومنشوراتهم حول أطباقهم.
ساهم الاغتراب في خروج الرجل عن دوره التقليدي ودلال والدته المفرط له، وجعله يطبخ بشكل جدي، بدءاً بالأطباق البسيطة وانتهاءاً بأكثرها تعقيداً وتقليدية، وتتزايد هذه الظاهرة في المدن التي يكون فيها الطعام الجاهز غاليًا أو التي تخلو من المطاعم العربية.
لا شك أن القدرة على إطعام النفس هي أولى درجات الاستقلالية والمسؤولية، إلا أن مسؤولية إطعام الأسرة بشكل يومي ما تزال ملقاة على عاتق المرأة؛ فالرجل يطبخ كهواية وليس لأن ذلك دور يومي يمارسه مناصفة مع المرأة تجاه باقي أعباء المنزل.
وأدت صعوبة الحياة في دول الاغتراب إلى تجاوز الأفراد للتوقعات الجندرية عمن يعمل في المطبخ بشكل أسرع مما لو كانوا في الوطن، على ما أعتقد، ربما لأن وجود الإنسان في مجتمع مغلق يكرس الأنماط التقليدية، أما اليوم فيتقاسم كثير من الأزواج المسؤوليات بحرية أكبر مما لو كانوا لا يزالون تحت أنظار مجتمعهم المتربصة وبالأخص جيل الشباب.
لكن في الوقت ذاته يمكن أن يؤدي فهم “سطحي” للنسوية إلى ابتعاد المرأة عن المطبخ تحديا للمجتمع لكون الطبخ أبرز الأدوار النمطية الموكلة للمرأة. ولكن يمكن للمرأة إن ابتعدت عن المجتمع الذي يحكم ويقيم، أن تجد التوازن بين دورها الجندري المفروض عليها وبين حبها للطبخ ورغبتها بتطوير مهاراة خاصة في هذا المجال والتعبير عن نفسها من خلاله.
قبول الطبق الآخر
‏‏أحاول من خلال صفحة “مطبخ غربة” أن أساعد في بناء ثقافة الحوار ‏وقبول الاختلاف وإيجاد أرضية مشتركة قد ينطلق منها المشاركون ‏لاحقا لنقاش قضايا أعمق ‏قد تكون إشكالية اليوم؛ لذا يقوم “مطبخ غربة” بتعزيز أوجه التعبير الديمقراطي عن طريق ‏الانتخابات (ملك المطبخ) والتصويت والاستفتاء حول قضايا مطبخية وطرق إعداد أطباق ومواضيع للنقاش ‏ونشر ثقافة احترام الرأي المختلف حتى لو بدءا من طبخة.
ما يثير الانتباه ‏في المجموعة حرص الأعضاء على الحفاظ على جو إيجابي‏ في الحوار ‏وإشاعة روح الدعابة والمرح بينهم.
‏‏كما ‏يسعى مطبخ غربة إلى ‏التعريف بالمبادرات التي تنشأ في بلدان اللجوء لاحتراف الطبخ ودعمها وتمكين اللاجئين والمهاجرين من إيجاد‏ مصادر للدخل عن طريق إعداد وتقديم‏ وتصنيع الأطعمة.
يتعنت البعض أحياناً في قبول التغيير، يصرون على إعداد الأطباق بحرفيتها، وينظرون بنوع من التكفير إلى أي مساهمات تهدف إلى تغيير شكل الطبق أو أحد مكوناته بحجة حفظ التراث. وهناك من يقدم الأطباق السورية بنفس البلد المضيف وبمكوناته معلناً فتحاً جديداً ووصفة تلقى إعجاب السوريين وغيرهم على السواء.
ما أحرصُ على ألا يتغير، هو علاقة المشاركين بهذه المساحة للتعبير والحرية، لسرد الذكريات والقصص التي تتمحور حول موسم المونة أو عيد ما أو تقليد يرافقه نوع معين من الأطعمة. تلك القصص فيها شفاء ومصالحة مع الماضي وما تركناه خلفنا، تُصالحنا معه ومع بعضنا وتجعلنا نكتشف الآخر الذي لم نعرفه وجارنا الذي لم ندخل مطبخه. مطبخ الغربة يصل موائد السوريين ببعضها أملاً بأن تصبح مائدة واحدة تضم الجميع.

Continue Reading
Click to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

code

اخر الاخبار

ما أهداف زيارة روسية الى بيروت؟!

Published

on

By

كتبت وكالة “المركزية”:
 
صحيح أن الإعلان عن النتيجة الاولى من بنود المبادرة الفرنسية تأجّل إلى بعد غد الخميس بفعل عراقيل فرضتها قوى في الداخل، إلا أن المعروف أن المبادرة دولية، تحديداً أوروبية – أميركية، بقيادة فرنسية ونجاحها مرتبط بتشكيل حكومة حيادية من اختصاصيين قادرة على تحقيق الإصلاحات المطلوبة دولياً لانتشال لبنان من أسوأ أزمة اقتصادية ومالية في تاريخه. فكارثة المرفأ أعادت المجتمع الغربي إلى الساحة المحلية وسط شبه انكفاء عربي، في انتظار أن تتوضح الصورة إقليمياً ومحلياً بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، لكن أين يقف الروس من هذه المبادرة، خصوصاً وأن التطورات في الساحتين اللبنانية والسورية مرتبطة ببعضها إلى حدّ كبير؟
أوساط مطّلعة عن كثب على المواقف الروسية كشفت لـ “المركزية” أن التواصل قائم بين الروس والفرنسيين، وتم الإعلان عن الاتصال الهاتفي بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الروسي فلاديمير بوتين. موسكو تدعم المبادرة الفرنسية وتقف إلى جانبها، كونها تسعى إلى إرساء الاستقرار في لبنان على مختلف الصعد لا سيّما السياسية والأمنية والاقتصادية، وتحقيق ذلك يهمّ الروس جدّاً إذ إنه ينسحب على سوريا ويحسّن وضعها، دائماً وفق الأوساط.

وأكّدت أن موسكو تبغي أن تتشكل حكومة تتمكن من الحصول على ثقة المجتمع الدولي ورضاه، أي فتح قنوات المساعدات المالية، لأنها تعلم جيّداً أن من دون الدعم الخارجي لبنان عاجز عن الاستمرار، في حين أن المساعدات مشروطة بتشكيل حكومة حيادية، أعضاؤها من الاختصاصيين، وقادرة على إنجاز الإصلاحات المطلوبة من المجتمع الدولي. ورأت المصادر أن من هنا يفسّر اهتمام روسيا الشديد بلبنان، لأن تحسّن الوضع الاقتصادي اللبناني يؤثر إيجابيّاً ومباشرةً على سوريا، كون الأزمة فيها زادت أضعافا مع احتدام الأزمة في بيروت. إلى ذلك، نجاح المبادرة الفرنسية يسهّل عودة النازحين السوريين وهذا ما يهمّ الروس، من دون أن ننسى تركيز موسكو على الوضع الأمني لبنانياً، وتخوّفهم من الإنفلات الذي يؤدي إلى عودة التطرف إلى الواجهة وانعكاسه سلباً على الداخل السوري، ما يعني أن المخيمات التي تضمّ مليونا ونصف مليون نازح سوري لن تكون بعيدة من تداعيات أي تصعيد مذهبي، تحديداً سني – شيعي، مع تدخل خارجي يمكن ان يعزز الحرب أو المواجهات المذهبية، وهذه النقطة شديدة الحساسية بالنسبة إلى المسؤولين الروس، حيث أن التوتر المذهبي وتفاقم الوضع الاقتصادي سيؤديان إلى تفلت الوضع الأمني، من هنا يأتي حرصهم على تشكيل حكومة قادرة على رفع اليد عن مساعدات خارجية تنعش الاقتصاد وتبعد إمكانية الخلل الأمني، وفق ما أوضحته المصادر عينها.
وعن الأسلوب المتّبع من روسيا للدفع في اتّجاه تحقيق المبادرة الفرنسية، لفتت إلى أنها تتواصل مع مختلف القوى السياسية المحلية، إلا أنّها لا تضغط مباشرةً بل تترك الدور لباريس، كون موسكو غير مؤهلة حالياً لتأدية أي دور أساسي على الساحة الداخلية، نظراً إلى ارتباط ذلك بضرورة تقديم الدعم المالي في حين أن لا إمكانيات لديها. وتطلب في السياق من كلّ الأطراف تقديم تنازلات في سبيل البلد، مع تقديرها تلك المقدّمة من رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، حيث كان من المفترض أن يكون هو الرئيس المكلّف لكنه رشّح شخصا محايدا سعياً منهم لتحسن الوضع محلياً. وفي الإطار، توقّعت مصادر معنية عبر “المركزية” زيارة موفد روسي إلى لبنان الشهر المقبل.

Continue Reading

اخر الاخبار

عملية احتيال يتعرّض لها المستوردون اللبنانيون

Published

on

By

عملية احتيال يتعرّض لها المستوردون اللبنانيون بغياب القضاء عن بعض شركات الشحن منها “MSC” و “maersk”، والتي تفرض عليهم دفع رسوم التخزين و”tva” في المرفأ بالدولار، في حين أن الشركتين المذكورتين تدفعان بالليرة اللبنانية لهيئة إدارة واستثمار مرفأ بيروت،كما ان شركات الشحن الاخرى تستوفي المبالغ المتوجبة بالليرة اللبنانية.

ويرى مراقبون، انه يتوجب على “النيابة العامة المالية او مدعي عام بيروت التّدخل لوقف عملية النصب الجارية”.
والجدير ذكره، ان تلك الرسوم ناتجة عن التأخير في التخزين بسبب الانفجار الذي وقع في الرابع من آب واحد اسبابه اهمال ادارة المرفأ نفسها.

Continue Reading

اخر الاخبار

رياض طوق يواجه شكوى برّي غدًا… وتحرك مرتقب!

Published

on

By

في بلد الحريات أصبح قول الحقيقة جرماً يعاقب عليه القانون, وقُلبت الموازين وباتت الجرأة في كشف الفاسدين تُقابل بالقمع عوض محاسبتهم وانصاف المظلومين!

يَمثل الاعلامي رياض طوق صباح غد الثلاثاء في قصر العدل، ليدفع ثمن جرأته المعهودة ومواقفه وذلك بعد شكوى تقدم بها المحامي الدكتور علي رحال، بوكالته عن الرئيس نبيه برّي ضد طوق وضيوفه الاعلامية ديما صادق والناشط السياسي فاروق يعقوب، على خلفية ما ورد في احدى حلقات برنامج “باسم الشعب” من معلومات حول قيام عناصر من شرطة المجلس النيابي باطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين.

وبعنوان “وجوههم معروفة، أفعالهم موثقة، عنفهم منظم، رصاصهم في اجسادنا، بنادقهم في عيوننا، لكنهم يخشون الكلمة…كلنا سوا مع الاعلامي رياض طوق ورفاقه سنقول لا لكم الافواه سننتصر لعيون رفاقنا”، أُطلقت دعوات تضامن واسعة مع الاعلامي طوق، لحقوقيين واعلاميين ومحامين وناشطين من أجل الحرية منهم “انا خط احمر” و “عامية ١٧ تشرين” و “انا القرار” و “اعلامين من اجل الحرية” وحضور لـ”اطباء الثورة” ممَن عُرفوا بـ “القمصان البيض” ودعوات الى التجمع امام قصر العدل غداً الساعة العاشرة.


والجدير ذكره، أن الوقفة غدًا لن تكون للتضامن مع حرية الاعلام عمومًا وطوق خصوصًا، بل ستكون وقفة للتنديد بتصرفات حرس مجلس النواب “غير المسؤولة” تجاه الشعب اللبناني المنتفض.

هذا وكتب طوق في تغريدة على حسابه عبر “تويتر”، “لم أكن أعرف أنه سيتم محاسبتي قضائياً يوم طالبنا في باسم الشعب بمحاسبة عناصر حرس مجلس النواب الذين أطلقوا الرصاص الحيّ على المتظاهرين”.

واضاف، “وها انا غداً سأمثل مع ديما صادق وفاروق يعقوب أمام القضاء لمحاسبتنا لأننا طالبنا بالمحاسبة. غداً سألتزم الصمت إلى حين محاسبة المعتدين الحقيقيين”.

والسؤال، هل اتّخذ القانون صفة مُناصر الظالم والاستقواء على الشعب المنتفض في وجه تجار السياسة؟ وهل انعدمت حرية الاعلام لصالح استباحة؟

Continue Reading
error: Content is protected !!