Connect with us
[adrotate group="1"]

صحة

البكتيريا ومقاومة المضادات الحيوية

نور الهدى المثلوثي* في العشرين من سبتمبر سنة 2017 نشرت منظمة الصحة العالمية مقالا تؤكد فيه صحة خبر النقص الفادح في المضادات الحيوية، و ليس ذلك بسبب قلة الإمكانيات المادية التي تحول دون تصنيعها، بل قدرة البكتيريا على التأقلم مع هذه الأدوية، التي تصبح فيما بعد غير ضارة بالنسبة لها وبالتالي غير نافعة لنا [1].…

Published

on

البكتيريا-ومقاومة-المضادات-الحيوية

نور الهدى المثلوثي*

في العشرين من سبتمبر سنة 2017 نشرت منظمة الصحة العالمية مقالا تؤكد فيه صحة خبر النقص الفادح في المضادات الحيوية، و ليس ذلك بسبب قلة الإمكانيات المادية التي تحول دون تصنيعها، بل قدرة البكتيريا على التأقلم مع هذه الأدوية، التي تصبح فيما بعد غير ضارة بالنسبة لها وبالتالي غير نافعة لنا [1].

وقد تكون هذه المقاومة طبيعية أو مكتسبة إما من خلال تأقلم البكتيريا مع المضادات الحيوية – نتيجة سوء استخدام أو الإفراط في استعمال هذه الأدوية- و آليات أخرى سيتم التطرق إليها في هذا المقال.

الطفرات الجينية

في حين أن الطفرات / التحويرات الجينية في الحيوانات و النباتات قد تطلب عشرات من السنين ليظهر تأثيرها نظرا لأن سرعة التكاثر لديهم تقاس بالسنوات بالإضافة إلى تعقيد معلوماتهم الوراثية التي تقلص من قدرة الطفرات على التأقلم مع التغييرات السريعة للبيئة المحيطة؛ فإن الطفرات لدى البكتيريا لا تتطلب سوى ساعات حتى ينعكس تأثيرها على النمط الظاهري لملايين الخلايا المتأتية من نفس الخلية الأم [2].

في ظل تغييرات البيئة المحيطة، إذا كان مجرد التحكم في التعبير عن بعض الجينات التي تمتلكها الخلية غير كاف لتأقلمها، فان خيارها الوحيد عندئذ سيكون طفرة جينية تكسبها خاصية جديدة تمكنها من التأقلم مع متغيرات المحيط. بالنسبة للبكتيريا فإن الطفرات التلقائية تكون موجود بنسبة ضئيلة، و قد تكون تلك الطفرة نافعة (تكسبها خاصية مقاومة المضادات الحيوية على سبيل المثال) أو ضارة ( قد تتسبب أحيانا في موت الخلية إذا ما أدت إلى فقدان جين وظيفي) أو دون أي فائدة تذكر، رغم ذلك فان الطفرات الجينية تعد واحدة من أهم آليات اكتساب خاصيات جديدة تمكنها من التأقلم على العيش في محيط متغير[3].

البلازميد و العاثيات

تطور البكتيريا لا يعود سببه فقط للطفرات الجينية، بل قد يتسارع نسقه من خلال قدرتهم على التعبير عن جينات تم الحصول عليها من بكتيريا أخرى. قبل أن نتحدث عن آليات انتقال المعلومات الجينية بين البكتيريا وجب علينا أولا أن نتعرف على “البلازميد” و “العاثيات”.

(أ) البلازميد: البلازميدات هي وحدات دائرية من الحمض النووي (دي أن إي) مستقلة عن الكروموزوم تتواجد لدى البكتيريا. الجينات الحاضرة على تلك الوحدات تستطيع تحديد الوظائف القادرة على التأثير على البكتيريا الحاملة. هذه الجينات عادة لا تكون ضرورية إلا إذا تواجدت البكتيريا في محيط خاص يتسبب في “وضع ضغط” ما يستوجب التعبير عن جينات خاصيات ضارة إما لتدافع بها عن نفسها أو لتتمكن من التكاثر في محيط يهدد سلامتها (يحتوي على مضادات حيوية مثلا) . قد لا تحمل الخلية البكتيرية أي بلازميد كما يمكنها أيضا أن تحتوي على العديد منه، وتستطيع أغلبية هذه البلازميدات التنقل من بكتيريا إلى أخرى من خلال عملية تسمى الاقتران[4].

عملية تنقل البلازميد تكون ممكنة إذا تمت بين سلالات متقاربة من البكتيريا، و قد تحدث استثناءات تمكن تلك الوحدات الدائرية الصغيرة من التنقل بين سلالات بكتيرية مختلفة و متباعدة. بالنسبة لعملية النقل البلازميدي المتبوع باكتساب خاصية مقاومة المضادات الحيوية، يشترط أن يحمل البلازميد المعني بالنقل عنصرا يسمى ” عنصر ار” المسؤول عن مد البكتيريا المتقبلة بخاصية مقاومة مضاد حيوي معين[5].

إذا ما كان للخلية البكتيرية الجين المسؤول عن المقاومة، تبدأ في مقاومة المضادات الحيوية بأشكال عدة نذكر منها [2]:

– صنع أنزيمات تدمر المضاد الحيوي

– إنتاج بروتينات تقوم بإتلاف تركيبة غلاف البكتيريا بطريقة يصعب معها دخول المضاد الحيوي داخل الخلية

– تتسبب بعض البروتينات في تغيير العناصر التي يتعرف عليها المضاد الحيوي وبالتالي يفقد هذا الأخير قدرته على التأثير في الخلية ما يعني قدرة البكتيريا على مقاومته.

يمكن للخلية البكتيرية الواحدة أن تقاوم مضادات حيوية عديدة إذا ما كانت تحمل بلازميد يحتوي على عدة عناصر ‘ار’، و تمثل مثل هذه الخلايا مشكلة طبية إذ يصعب معالجتها بغياب مضاد حيوي قادر على محاربتها و التخلص منها، و هو ما يفسر خطورة الإصابة بمثل هذا النوع من البكتيريا.

(ب) العاثيات (فيروسات تغزو البكتيريا): هي طفيليات لا يمكنها أن تتوسع إلا داخل خلية بكتيرية حاملة . يمكن للحمض النووي الذي تحمله العاثيات بالاندماج في الحمض النووي للبكتيريا المضيفة بما يحمله من جينات قد تساهم في اكتساب خاصية مقاومة المضادات الحيوية[6].

التبادل الجيني بين البكتيريا

يتم اعتبار البلازميد و العاثيات عناصر مهمة لإتمام عملية التبادل الجيني بين البكتيريا، فإلى جانب الطفرات الجينية تستطيع البكتيريا الحصول على حمض نووي من بكتيريا أخرى بثلاث آليات مختلفة: التحويل، الاقتران والتنبيغ.

– التحويل : تم اكتشاف هذه الآلية سنة 1944 حينما اكتسبت بكتيريا ‘ستربتوكوكيس بنوموني’ خاصية ضارة بعد أن تم تعريضها لحمض نووي حر (خارج الخلية) لبكتيريا أخرى ضارة في حين أنها كانت في البداية غير ضارة . كل البكتيريا قابلة للتحويل إذا ما تعرضت لحمض نووي حر، شرط اكتسابها ميزة “كفاءة التحويل” والتي تميزها عن غيرها بتركيبة غلاف خلوي مميز يسمح بمرور جزيئات الحمض النووي. وجب الذكر أن تدخلا خارجيا (تدخل بشري) يمكنه منح البكتيريا صفة ‘كفاءة التحويل’ ليتم بذلك عرضها أمام وحدة جينية (تساهم في مد البكتيريا المحولة بخاصيات جديدة)[7].

* الاقتران : تتم عملية الاقتران بين خليتين بكتيريتين من خلال البلازميد. البكتيريا الحاملة لبلازميد تسمى “مانحة” أما تلك التي تستقبل البلازميد فتسمى “المتقبلة”. عملية الاقتران تسمح بعبور البلازميد من البكتيريا المانحة للبكتيريا المتقبلة و بالتالي تمكن هذه الاخيرة من اكتساب خاصيات جديدة كأن تصبح ضارة أو قادرة على مقاومة المضادات الحيوية[8].

* التنبيغ: تتم عملية نقل الجينات من بكتيريا إلى أخرى بفضل العاثيات. يتم استغلال هذه الآلية عادة من قبل العلماء لإدخال جين أجنبي بشكل ثابت في جينوم الخلية المضيفة[9].

بالنظر إلى كل هذه الوسائل التي تسمح للبكتيريا أن تسبقنا في كل مرة نعتقد أننا تمكنا من التغلب عليها، تصبح عملية صنع المضادات الحيوية مكلفة و متعبة ولا يتعدى كونها مشيا في دائرة مغلقة، كلما اعتقدت أنك بلغت نقطة النهاية إلا ووجدت انك مجددا في نقطة الانطلاق.

* طالبة دكتوراة في البيولوجيا. متحصلة على ماجستير في البيتوكنولوجيا الميكروبية و اجازة في علوم الحياة و الارض.

المصادر:

1 – https://www.who.int/news-room/detail/20-09-2017-the-world-is-running-out-of-antibiotics-who-report-confirms


2 -https://books.google.tn/books/about/Microbiologie.html?id=ggSIswEACAAJ&source=kp_book_description&redir_esc=y


3 – http://www.chups.jussieu.fr/polys/bacterio/bacterio/POLY.Chp.2.html


4 – https://onlinelibrary.wiley.com/doi/abs/10.1002/9780470015902.a0000468.pub2


5 – https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/4876865/


6 – https://health.ucsd.edu/news/releases/Pages/2017-04-25-novel-phage-therapy-saves-patient-with-multidrug-resistant-bacterial-infection.aspx


7 – https://scholar.google.fr/scholar?hl=fr&as_sdt=0,5&q=Expérience+de+Avery,+MacLeod+et+McCarty+1944#d=gs_qabs&u=%23p%3DsmldtijCpdcJ


8 – https://books.google.fr/books?id=GiM2DwAAQBAJ&pg=PA389&dq=#v=onepage&q&f=false


9 – https://meshb.nlm.nih.gov/record/ui?name=Transduction,%20Genetic

Continue Reading
Click to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

code

صحة

نظرية؟

النظرية باختصار هي تفسير يدعمه الكثير من الأدلة. في العام 1543، طرح نيكولاس كوبرنيكوس Nicolaus Copernicus فكرة أن الكواكب تدور حول الشمس وليست الشمس هي التي تدور حول الكواكب. فكرتهُ من قبل قرابة الـ500 سنة هي الآن نظرية، تسمى نظرية مركزية الشمس، ولا تزال سارية حتى اليوم. النظرية (اسم) هي تفسير لكيفية عمل العالم الطبيعي.…

Published

on

By

نظرية؟

النظرية باختصار هي تفسير يدعمه الكثير من الأدلة.

في العام 1543، طرح نيكولاس كوبرنيكوس Nicolaus Copernicus فكرة أن الكواكب تدور حول الشمس وليست الشمس هي التي تدور حول الكواكب. فكرتهُ من قبل قرابة الـ500 سنة هي الآن نظرية، تسمى نظرية مركزية الشمس، ولا تزال سارية حتى اليوم.

النظرية (اسم)

هي تفسير لكيفية عمل العالم الطبيعي. ولا تفسر النظرية ما يحدث فحسب، بل كيف يحدثُ أيضًا. تستند النظريات على التجارب والتعقيبات والحقائق التي أكدها العديد من العلماء مرارًا وتكرارًا. وتساعد العلماء أيضًا في تخمين التنبؤات وصياغة مواضيع جديدة.

يقول الناس أحيانًا إن لديهم نظرية، وهي في الواقع فرضية. والفرق إن الفرضية هي فكرة يمكن لشخص ما اختبارها. أما النظرية فهي أكثرُ من ذلك. فقد اختبرت بعدة طرق ومن قبل العديد من الأشخاص.

تُنظِّم النظرية أيضًا المعرفة التي تنطبق على العديد من الحالات المختلفة. على سبيل المثال، التطور هو نظرية. ينص على أن مجموعة من الكائنات تتغير بمرور الوقت، ويفسر كيف يحدث ذلك التغيير: بعض أفراد الأنواع ينجو فينقل سماته إلى الجيل التالي والبعض لا ينجو. نحن نسمي هذا نظرية لسببين.

أولًا، تُظهر كمية هائلة من البيانات أن الأنواع تتغير بمرور الوقت. وهذا ما أكدتهُ المعطيات في الأحفوريات والكائنات الحية أيضًا. ثانيًا، تشرح هذه البيانات وغيرها كيفية تغيّر الأنواع. ويجدر الذكر أن هذه النظرية تنطبق على جميع الكائنات الحية، فالحيوانات والنباتات والفطريات والبكتيريا تتطور جميعًا.

مع ذلك، فإن النظريات ليست للأبد. فإذا وجد دليل جديد لا يتناسب تمامًا، فيمكن تحديث النظريات.

على سبيل المثال، اعتقد الإغريق القدماء أن الأمراض يمكنها أن تنتشر عبر «أرومة» المرض. واعتقد بعض الرومان القدماء أن الكائنات الدقيقة في المستنقعات يمكنها إمراض الناس. لكن في العام 1800، أعلن لويس باستور Louis Pasteur وروبرت كوخ Robert Koch أن الكائنات الدقيقة مثل البكتيريا والفيروسات هي من تُسبب المرض. والآن تتضمن النظرية الجرثومية للمرض البكتيريا والفطريات والفيروسات وأكثر من هذا.

Continue Reading

صحة

يصل بعيدا لكن لا يزول أثره قط..عن الدخان المتصاعد من الحرائق

تدوم الآثار الناجمة من الدخان لفترة أطول مع سفرها مسافة أبعد مما يمكنك تصوره، حتى بعد تبدد سحبه الأعلى كثافةً. كان قد بدا وكأن المنطقة الغربية بأكملها تحترق لعدة أيامٍ مروعة في أوائل أيلول/سبتمبر، فقد تسببت رياح شديدة غير اعتيادية مصدرها المنحدرات الغربية لجبال روكي في إشعال نيران العشرات من الحرائق الجديدة، والتي قد امتدت…

Published

on

By

يصل-بعيدا-لكن-لا-يزول-أثره-قط.عن-الدخان-المتصاعد-من-الحرائق

تدوم الآثار الناجمة من الدخان لفترة أطول مع سفرها مسافة أبعد مما يمكنك تصوره، حتى بعد تبدد سحبه الأعلى كثافةً.

كان قد بدا وكأن المنطقة الغربية بأكملها تحترق لعدة أيامٍ مروعة في أوائل أيلول/سبتمبر، فقد تسببت رياح شديدة غير اعتيادية مصدرها المنحدرات الغربية لجبال روكي في إشعال نيران العشرات من الحرائق الجديدة، والتي قد امتدت من واشنطن إلى المكسيك. وقد نتج عن هذا حرق ما يقرب من مليون فدان في كاليفورنيا وحدها في الفترة ما بين 7 أيلول/سبتمبر و10 أيلول/ سيتمبر.

وغُطي جسر البوابة الذهبية الشهير الواقع في سان فرانسيسكو بضبابٍ مروعٍ برتقالي اللون. وسرعان ما تدهورت جودة الهواء، فقد ارتفعت قيمة مؤشر جودة الهواء في بعض المناطق إلى أكثر من 500، ويُعد هذا الحد الأقصى ضمن فئة الخطر، وفقًا لوكالة حماية البيئة الأمريكية. علاوة على هذا، لاحظ سكان أوروبا والساحل الشرقي للولايات المتحدة بعد أقل من أسبوع أن السماء قد اتخذت مظهرًا ضبابيًا، فقد انجرف الدخان بفعل قوة الرياح.

إنه من غير المفاجئ أن يغمر الدخان معظم المنطقة الغربية؛ إذ أُضرمت النيران في مئات الآلاف من الأفدنة. بل وفي بعض الحالات، قد شهدت المجتمعات الأقرب من ألسنة اللهب أسوأ مؤشرًا لجودة الهواء على الإطلاق. وبالحديث عن حركة الدخان، فهي حركة معقدة؛ إذ أن نهاية مسار جزيئاته تعتمد على عدة عوامل منها: شدة الحريق، تضاريس المنطقة والطقس المحلي.

يُرسَل الدخان صعودًا لأعلى على هيئة عمود عند اندلاع الحرائق، وينتقل العمود على نحوٍ أعلى كلما كانت طاقة الحريق هائلة. وقد يتسبب البعض منها في تشكل سحب ركامية شاهقة تُعرف باسم «السحب الركامية اللهيبية Pyrocumulonimbus Clouds» والتي بمقدورها مد الدخان عموديًا لعشرات آلاف الأقدام فوق الأرض، حتى ارتفاع قد يصل إلى طبقة الستراتوسفير، كما يلعب ارتفاع الدخان المنبعث دورًا حاسمًا في تحديد مكان انتهائه وكيفية تأثيره على الهواء المُستنشَق.

UPDATE: @NOAA‘s #GOES17🛰️ has been monitoring California’s #CreekFire, which grew explosively today after igniting in the Sierra National Forest on Friday. In this loop, you can see the fire’s extraordinary #Pyrocumulonimbus cloud, which reached an estimated 45,000+ ft high. pic.twitter.com/pcWwnrA2zs

— NOAA Satellites – Public Affairs (@NOAASatellitePA) September 6, 2020

ويقول كريغ كليمنتس Craig Clements، وهو أستاذ في علم الأرصاد الجوية، ومدير مركز أبحاث مكافحة الحرائق المتعدد التخصصات بجامعة ولاية سان خوسيه: «إنه في حال عدم ارتفاع الدخان لمستوياتٍ عالية أو حصاره، فإنك ترى تأثيره على المجتمعات المحلية أو الإقليمية»، وأضاف: «أما في حال ارتفاعه لمستوياتٍ عالية، فيمكنه حينها أن ينتشر في مختلف أنحاء العالم»

فإن الدخان الذي قد هب بإتجاه الغرب فوق المحيط الهادئ، كان مصدره نفس الرياح الشرقية القوية التي قد فجرت نيران الحرائق في أوائل أيلول/ سبتمبر، وكانت كتلته ضخمة بحيث يسهل التقاطها بواسطة الأقمار الصناعية، وعندما تحرك عائدًا إلى السطح عند تغير إتجاه الرياح، غطى حينها مساحات شاسعة من واشنطن، أوريغون وكاليفورنيا.

بإمكان الدخان المتصاعد من العمود الرئيسي للحريق أن ينتقل رأسيًا وأفقيًا على حدٍ سواء، وأحيانًا بفعل الرياح الناجمة عن الحريق، وتختلف مستويات تركزه من النهار عنها في الليل، خاصة إذا كان السطح الأرضي معقدًا. وتُعد طبقات الانعكاس الحراري التي تتكون في الوديان هي المثال الأقرب لهذه الحالة؛ إذ تقوم رياح التصريف (نوع من الرياح السفحية الهابطة) بسحب الدخان ليلًا إلى داخل الوديان، إذ يُحاصر في درجات حرارة أكثر برودةً، وبحلول أشعة الشمس وتسخين أرض الوادي، يكون حينها بمقدور سحب الدخان الفرار صعودًا على سفح التل.

يكمل كليمنتس حديثه قائلًا أنه مثلما يؤثر الطقس المحلي على حركة الدخان، فقد يُغير هو الآخر في أنماط الطقس؛ فتُظلل أعمدة الدخان بضبابها الأشعة الضوئية الوافدة، وهذا ينتج عنه فارق حراري بين الهواء المستظل والآخر البين، مما يخلق ما يسمى «تيار الكثافة»، وفيه ينساب الهواء من مناطق الضغط المرتفع إلى المناطق ذات الضغط المنخفض غالبًا في إتجاه معاكسٍ للرياح السائدة، وأيضًا بموجبه قد تُحمل جزيئات الدخان بعيدًا عن مصدر الحريق.

وعلاوة على هذا، قد يحجب للضباب الدخاني الرياح المحيطة. ويُسلط كليمنتس الضوء على تيارات الحمل الحراري، إذ يوضح أن الطقس المشمس الدافئ يُعد محفزًا لها، فيقول: «إن تشكل التيارات الدافئة والدوامات يُسبب اضطرابًا في الطبقة السطحية لغلاف الأرض الجوي، المقصود هنا التربوسفير، مما ينتج عنه تباين في سرعة الرياح، وحركة أكثر عشوائيةً للنيران». لكن يولد الدخان الكثيف طبقة تحجز طاقة الإشعاع الحراري، وهذا يعني سطح أكثر برودة، وهدوء أكثر لنشاط الرياح. وعلى الرغم من كون هذا نبأ سارًا، إلا أنه يزيد من احتمال تجول الدخان وتأثر جودة الهواء لفترة طويلة، وهذا ما حدث بالفعل في منطقة خليج سان فرانسيسكو في أيلول/ سبتمبر، حينما اختلط الدخان بالضباب في مزيج سام كثيف.

يتكون دخان الحرائق من خليطٍ معقدٍ من الجسيمات التي من شأنها أن تؤثر على صحة الإنسان، وهي: بخار الماء؛ ثاني أكسيد الكربون؛ أول أكسيد الكربون؛ أكاسيد النيتروجين، مركبات عضوية متطايرة وجسيمات دقيقة. وعادةً ما تستقر جزيئات الرماد الأكبر حجمًا بالقرب من مصدرها، أما الجزيئات الدقيقة والأخرى متناهية الصغر فتبقى محلقة عاليًا لأيامٍ أو أسابيع، ما لم تجرفها الأمطار أو تمتصها السحب. أما عن الجزيئات التي يقل قطرها عن 2.5 ميكرومتر، فتتوغل عميقًا في الرئتين وتشق طريقها في مجرى الدم مما يُثير أمراض القلب والرئتين مثل: مرض الانسداد الرئوي المزمن والربو.

لذلك تحتاج المجتمعات مع نمو مواسم الحرائق وازدياد حرائق الغابات في مناطقٍ عدة كالغرب، إلى نماذج التنبؤ الدقيق، والتي من شأنها توقع كثافة الدخان وموقعه. فقد أظهرت دراسة جديدة أن التركيزات العالية من الجسيمات الناتجة من دخان الحرائق تزيد بشدة من احتمالية التماس العناية الطارئة؛ ولهذا فنحن بحاجة إلى نماذج لأنظمة تساعد مسؤولي الصحة العامة في تحذير السكان عندما يُحتمل تدهور جودة الهواء، حتى يكون حينها بمقدورهم اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية صحتهم.

تستند عادةً التنبؤات الحالية على بيانات الأقمار الصناعية والتنبؤات الجوية، وأيضًا على تقديرات الانبعاثات الناجمة من الحرائق النشطة، والتي تستند على نوعية وكمية النباتات التي أحترقت في اليوم الواحد.

ووفقًا لكليمنتس، فلا تضع معظم نماذج التنبؤات في اعتبارها ظواهر كالضباب الدخاني، لكن قد بدأ الجيل التالي منها وضع الكيفية التي يؤثر بها كلًا من الدخان والحرائق على الطقس بعين اعتبارها.

قد التهمت ألسنة لهب العديد من حرائق مطلع أيلول/ سبتمبر، عشرات الآلاف من الأفدنة يوميًا، وكانت تلك الحرائق تتغذى على الوقود الأحفوري، وتؤججها الرياح العاتية. وقد نما حريق كريك فاير الذي اندلع فى غابة سييرا الوطنية فى ولاية كاليفورنيا يوم 6 أيلول/ سبتمبر بشكلٍ إنفجاري مكونًا سحابة ركامية لهيبية هائلة وصلت لارتفاع 45.000 قدم من الغلاف الجوي، وقد بلغ أيضًا جزء كبير من الانبعاثات الناجمة عن هذا الحريق وغيره، ارتفاعات هائلة تكفي لعمل جولة في التيارات الهوائية العليا. وحُمِل الدخان عن طريق التيار النفاث شرقًا، ومن هناك قد حُدد اتجاهه وانقاد من قبل العواصف الإستوائية القادمة من المحيط الأطلنطي وسواحل خليج الولايات المتحدة. ومن ثم بدأت وسائل الإعلام المحلية التابعة للساحل الشرقي بعد أسبوعٍ من إندلاع الحريق بتقديم تقارير تُفيد بأن دخان الحرائق الغربية قد تحول إلى لون غروب الشمس البرتقالي، وأنه قد وصل إلى أوروبا بعد فترة وجيزة، لكن ولحسن الحظ، لم تتدهور جودة الهواء كما كاليفورنيا وأوريغون وواشنطن؛ إذ أن الهباء الجوي كان على ارتفاعٍ عالٍ من الغلاف الجوي.

تعتمد هيئة الطقس الوطنية على الأقمار الصناعية في الرصد والتنبؤ بحركة الدخان، فإذا تلتقط أجهزة مثل مقياس التصوير الطيفي متوسط الدقة التابع لناسا MODIS صورًا يومية عن طريق قمرين صناعيين مختلفين، كما يلتقط مقياس الطيف الإشعاعي التصويري متعدد الزوايا MISR المحمول على متن القمر الصناعي «تيرا» التابع لناسا صورًا من تسع زوايا مختلفة.

يقول جريجوري شيل Gregory Schill، وهو عالم أبحاث في مختبر العلوم الكيميائية التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي NOAA، أنه على الرغم من أهمية الأقمار الصناعية في تعقب الدخان، إلا أنها تتتبعه عند حدٍ معين؛ إذ أن بإمكانها فقط رصد أعمدته إما من أعلى أو عبر زوايا مائلة، وتقتصر حمولتها على الأجهزة الأخف وزنًا؛ لذلك قد عكف الباحثون على دراسة الحرائق بمساعدة أجهزة أرضية وجوية فائقة الحساسية، بهدف التعلم قدر المستطاع عن تركيب وسلوك الدخان، وكذلك عن تفاعلاته مع الغلاف الجوي.

Surface daily fine particles (PM2.5) estimated from #SNPP and #NOAA20 #VIIRS AOD: #smoke over most of CONUS not reaching surface in central/eastern US, so #airquality Good-Moderate. Persistent Hazardous/V.Unhealthy/Unhealthy in West but some improvement compared to recent days. pic.twitter.com/21A6dpPuJP

— AerosolWatch (@AerosolWatch) September 16, 2020

ويُكمل شيل حديثه قائلًا أن تبدد الدخان، لا يعني أن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد. ففي أثناء سفره هو وباحثون آخرون إلى مناطق نائية فوق المحيطين الهادئ والأطلسي في الفترة بين عامي 2016 و2018، بطائرة كانت تضم أجهزة بالغة الحساسية من أجل بعثة التصوير الإشعاعي المقطعي للغلاف الجوي، قد دُهش هو وفريقه حينما وجدوا أن في المتوسط نحو ثلث الجزئيات الأساسية في طبقة الهواء السفلي (التروبوسفير) تتكون من الدخان، وهي طبقة تمتد سطح الأرض وحتى ارتفاع يُقدر بنحو من خمسة إلى تسعة أميال.

وقد استعان شيل وفريقه أيضًا بجهاز مقياس الطيف الكتلي الليزري PALMS، وهو جهاز تابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، في تحليل الجزيئات الفردية من الدخان لدراسة تركيبها. ووجدوا أنه يتألف من خليطٍ من جزيئات فاتحة اللون كالكبريتات والجزيئات العضوية، وأخرى داكنة اللون مثل الكربون الأسود. وبسؤاله عن التأثير الناجم عن تلك الجزيئات على الغلاف الجوي، أجاب شيل: «إنه أمرًا معقدًا». فتقوم الجزيئات الداكنة بامتصاص الضوء، بينما تعكسه الأخرى الأفتح لونًا، لكن كما يقول شيل فإن «الكيفية التي تؤثر بها تلك الجزيئات على المناخ، تعتمد على ما أسفلها من سطح».

فتأثير الجزيئات الداكنة التي تعلو سطحًا مظلمًا كالمحيط، ليس بالقوي (بالنسبة للحرارة)، لكن قد تتسبب نفس الجزيئات في ارتفاعٍ ملحوظٍ في درجات الحرارة حينما تعلو الجليد. أما الجزيئات فاتحة اللون، فهي لها تأثير التبريد على عكس الأخرى داكنةً اللون.

يخلق الدخان المنتشر في أماكنٍ بعيدةٍ بصورة جماعية على الرغم من عدم قابليته للرصد من قبل الأقمار الصناعية، نوعًا من التعتيم شبيهًا بالذي تسببه أعمدة الدخان الكثيفة الناجمة من حرائق الغابات النشطة. ويُصرح شيل في وقتٍ فيه الباحثين في حيرة من أمرهم حول السبب الذي قد يجعل الجزيئات تؤثر على المناخ على المدى البعيد، بأن التأثيرات الواقعة على المناخ العالمي من قبل هذا الدخان الأخف شدةً، هي تأثيرات لا يستهان بها هي الأخرى.

في نهاية المطاف، استقبلت مناطق من واشنطن وأوريغون أمطارًا ترحيبيةً بعد عشرة أيام من سلسلة حرائق أوائل سبتمبر، صفت خلالها السماء مؤقتًا، ومضى خلالها الناس يتنفسون الهواء الطلق بعمق، ويستمتعون بمنظر السماء الزرقاء. لكن ولسوء الحظ، لم تدم تلك المهلة طويلًا؛ إذ اندلعت الحرائق مجددًا يوم 27 أيلول/سبتمبر، ولكن هذه المرة في منطقة واين كنتري بكاليفورنيا ومقاطعة شاستا. وبهذا يتكرر النمط السائد؛ حيث المزيد من كلا من: عمليات الإجلاء ورجال الإطفاء والدخان.

Continue Reading

صحة

10 سخافات تعد معلومات!

1- يمكن رؤية سور الصين العظيم من الفضاء: يجب على المنشئ الأرضي أن يكون عملاقًا ليمكن مشاهدته من الفضاء الخارجي، وسور الصين كذلك من حيث الطول (5000 ميل)، لكنه للأسف ضيق نسبيًا، فلا يتجاوز أقصى عرض له 30 قدمًا وحتى هذا الجزء منه لا يمكن رؤيته من محطة الفضاء الدولية! ولعل المنشئ البشري الوحيد الذي…

Published

on

By

10-سخافات-تعد-معلومات!

1- يمكن رؤية سور الصين العظيم من الفضاء: يجب على المنشئ الأرضي أن يكون عملاقًا ليمكن مشاهدته من الفضاء الخارجي، وسور الصين كذلك من حيث الطول (5000 ميل)، لكنه للأسف ضيق نسبيًا، فلا يتجاوز أقصى عرض له 30 قدمًا وحتى هذا الجزء منه لا يمكن رؤيته من محطة الفضاء الدولية! ولعل المنشئ البشري الوحيد الذي يمكن رؤيته من الفضاء هو مدننا الحالية ذات الإنارة الساطعة.

2- طقطقة اصابعك يسبب التهاب المفاصل: لن يسبب هذا الفعل غير انزعاج أصدقائك، وفي أسوء الأحوال طردك من محاضرة ما .

3- الناس تستخدم 10 بالمئة فقط من دماغهم: إن اعتقدت أن إزالة 90 بالمئة من دماغك لن يصيبك بضرر فأنت حقًا لا تستخدم غير 10 بالمئة منه، بخلاف التصورات الشائعة كل أجزاء الدماغ مهمة وضرورية، وهذا ما تراه واضحًا عند فحص نشاط الدماغ بأجهزة الفحص، نعم نحن لا نعلم وظيفة كل الأجزاء لكننا نعلم أنها مهمة وإن أغلبها يعمل في الحالة الطبيعية.

4- للإسكيمو 100 مرادفة لكلمة الثلج: هذه المعلومة صحيحة وخاطئة في الوقت ذاته، إذ إن بعض اللغات مثل الألمانية تصنع كلمات مركبة طويلة عن طريق دمج مفردات أصغر، ولهذا تبدو الجمل الألمانية طويلة جدًا.

وشعب الإسكيمو يستخدم نفس الطريقة أيضًا فعوضًا عن قول ثلج كثيف يقولون “ثلجكثيف” ويعدونها كلمة جديدة وهي كما ترى ليست غير تلاعب بالقواعد. لذا إن قلت إن لهم 100 مرادفة للكلمة فهذا نفس الحال بالنسبة للألمان واليابان وغيرها.

5- تحتاج 8 أكواب ماء يوميًا: لا يوجد دليل علمي على هذا الكلام، ورغم أنه من الجيد أن يشرب الناس الماء، لكنه يصبح مضرًا إذا تجاوز الكمية اللازمة حيث يسبب ما يسمى overhydration.

6- مياه الصنبور سيئة ومياه القناني جيدة: كاتب المقال الإنجليزي يفترض أن هذا القول خاطئ، لكنه صحيح بالنسبة للقارئ العربي.

7- تستغرق العلكة 7 سنوات لتهضم: ما لم تكن العلكة مصنوعة من الحديد فالمعلومة خاطئة.

8- الدم في شرايينك أزرق اللون: الفكرة هنا أن الدم لونه أزرق في الشريان ويتحول إلى الأحمر في حالة الجرح والتفاعل مع الأكسجين، التفكير بهذا غير منطقي ما لم تكن أفاتارًا أو علبة طلاء، فلا تنخدع بشكل الأوردة الزرقاء في كتب الأحياء، الدم أحمر في كل مكان طالما يحتوي على الهيموغلوبين.

9- الموت بسبب المروحة: هذه المقولة هي لبعض سكان كوريا الجنوبية، إذ يعتقدون أن إبقاء المروحة تعمل في غرفة مغلقة يستهلك الأكسجين الموجود تدريجيًا ما يسبب الموت، ولأن مصنعو المراوح في كوريا ليس لديهم الوقت للشرح ولا المزاج، فقد وضعوا مؤقتًا على المراوح لهذا السبب بالذات. فكرة سخيفة! لكن يشفع لهم أنهم يصنعون دراما جيدة.

10- وهو نائم، يبتلع الفرد العادي 8 عناكب في السنة: الفكرة أنه بينما تكون نائمًا تحلم بما تحلم فاغرًا فمك، يجد عنكبوت مسكين طريقه إلى فمك لتبتلعه بالخطأ. وهذا سخيف تمامًا! لأن العناكب تعشق الأماكن الدافئة والرطبة لذا 8 عدد قليل..

Continue Reading
error: Content is protected !!