الطريقة التي نقضي بها أيامنا هي الطريقة التي نقضي بها حياتنا، آني ديلارد، اختيار الوجود على الإنتاجية - Lebanon news - أخبار لبنان

الطريقة التي نقضي بها أيامنا هي الطريقة التي نقضي بها حياتنا، آني ديلارد، اختيار الوجود على الإنتاجية

الطريقة-التي-نقضي-بها-أيامنا-هي-الطريقة-التي-نقضي-بها-حياتنا،-آني-ديلارد،-اختيار-الوجود-على-الإنتاجية

تعمّق الكثير من عمالقة الأدب في معنی الحياة: مثل ليو تولستوي (1904)، هنري ميلر (1918)، آناييس نن (1946)، فيكتور فرانكل (1946)، اتالو كالفينو (1975)، ديفيد فوستر والاس (2005)، وبالرغم من الخوض في ذلك في عصرنا الحالي “الحلم العظيم هو مقايضة المال بالمعنى”، بقي ذلك الشعور المربك الذي لا يتزعزع المتمحور حول “تحسين روتيننا الإبداعي” و “رفع انتاجيتنا” حتى نسينا كيف نكون حاضرين حقاً وواعين لسر الحياة المبهج.

نستعير من كتاب (حياة الكتابة) للمؤلفة الأميركية آني ديلارد اضافة رائعة”، تضاف الى حصيلة حكمة الأدباء مجتمعة”، يأتي هذا الاقتباس كتأمل جميل ومؤثر لحياة معاشة بشكل صحيح ويذكرنا بالمفاضلة بين الحضور والانتاجية، هذا الاختيار الذي لا ينفك يعترض طريقنا:

“الطريقة التي نقضي بها يومنا هي بالتأكيد الطريقة التي نقضي بها حياتنا، ما الذي نفعله في هذه الساعة أو تلك هو ما يصنعنا، جدول يومي يحمينا من الفوضى والنزوات هو بمثابة شبكة لاصطياد الأيام، هو بمثابة سقّالة يقف العامل عليها ويكافح بكلتا يديه في كل وقت، هو حالة السلام والملجأ في حطام الوقت، سفينة النجاة التي من خلالها تجد نفسك بعد عقود متلاحقة متذكراً سلسلة الأيام المتشابهة هذه كذكرى ضبابية مؤثرة”

تستمر آني ديلارد في توضيح هذا القلق الوجودي بين الحضور والانتاجية عن طريق ذكر روتين وشعائر يومية:

“أكثر روتين يومي عرفته وجذبني هو روتين ارستقراطي دانماركي في مطلع القرن، يستيقظ عند الرابعة ثم يخرج سيراً على الأقدام لاصطياد الدجاج البري الأسود ودجاج الارض وطائر الشنقب، في الحادية عشر يلتقي بأصدقائه الذين خرجوا للاصطياد طوال الصباح، يتناقشون “إلى جانب واحدة من هذه الشلالات” ثم يتابع في توضيح بقية روتينه: يغطس في الماء سريعاً ومن ثم يسترخي متناولاً الساندويش والمشروب ثم يتمدد ويدخّن وبعد ذلك يجلس مدردشاً حتی الثالثة، ثم يعود إلى اصطياد المزيد حتى غروب الشمس ويستحم ثانيةً، يرتدي ربطة عنق بيضاء ليحافظ على مظهر لائق ويتناول عشاء فخماً ويدخن ثم ينام بهدوء وعمق حتى تشرق الشمس من جديد ملقيةً ظلالاً حمراء على السماء الشرقية، هذه الحياة .. هل بالإمكان أن تكون أكثر كمالاً من ذلك؟”

قارنت ديلارد بين الحياة اليومية المرحة الاحتفالية لأرستقراطي دانماركي مع الروتين المرهق لاثنين من الأدباء ذائعي الصيت:

“والاس ستيفنز، في الأربعينيات من عمره، يعيش في Hartford، يستيقظ عند السادسة، يقرأ لساعتين ثم يمشي ساعة أخرى (ثلاثة أميال) قاصداً مقر عمله، يُملي القصائد على سكرتيره الخاص، لا يتناول طعام الغداء.

في المساء، يمشي لساعة أيضاً قاصداً في الغالب معرضاً فنياً ثم يعود أدراجه للمنزل سيراً على الأقدام، بعد العشاء، ينزوي مع دراساته جانباً ثم يخلد للنوم في التاسعة.

في الأحد يخرج للمتنزهات، ولا أعلم ماذا يفعل في أيام السبت، من المرجح أنه يتبادل بضع كلمات مقتضبة مع زوجته (من الأفضل أن يقرأ المرء لهؤلاء أو يتتبع حياتهم ويقتدي بها على أن تربطه معهم علاقة زواج) في حين أن ويليام دينسن الارستقراطي الدنماركي الذي يصطاد الطيور طوال اليوم، يشرب، يستلقي، يتحضّر للعشاء، لديه ثلاثة أطفال”

“ادّعى جاك لندن أنه كان يقضي عشرون ساعة في الكتابة حتى قبل أن يتخذ الكتابة عملاً، قصد جميع المناهج والدورات التدريبية المقامة في جامعة كاليفورنيا، وأمضى سنة في دراسة المخطوطات والكتب الفلسفية والأدبية، في كل ليلة يتناول بيده كتاباً قاصداً سريره، يضبط المنبه لإيقاظه بعد أربع ساعات وغالباً ما يتمكن من الاستسلام للنوم في تلك الساعات .

يؤكد لندن أن كل كاتب ينبغي أن يكون له طريقة في الكتابة، خبرة، ومنظور فلسفي.

في خضم هذه الحكايا الطريفة هناك آلية تأملية للحياة ذاتها:

“ان الأيام الجيدة ليست قصيرة، بل الحيوات الجيدة هي التي تكون صعبة المنال، حياة من أيام معاشة بالحواس ليست كافية، حياة الماديات هي حياة الجشع، تتطلب المزيد والمزيد في حين أن حياة الروح تتطلب القليل والقليل، الوقت وافر وعبوره جميل، من سوف يطلق على يوم انقضى في القراءة يوماً جيداً؟ لكن الحياة التي قُضيت في القراءة هي ما تسمى بالحياة الجيدة، اليوم المشابه لكل يوم في السنوات العشر أو العشرين الماضية لا يوحي بأنه يوم جيد، لكن من منّا لم يصف حياة باستور أو حياة توماس مان بأنها جيدة؟”

leave a reply

*

code

error: Content is protected !!