عقود من البيانات تقترح أن الأبوة تجعل الناس تعساءً - Lebanon news - أخبار لبنان

عقود من البيانات تقترح أن الأبوة تجعل الناس تعساءً

عقود-من-البيانات-تقترح-أن-الأبوة-تجعل-الناس-تعساءً

عقود كاملة من الدراسات تظهر كيف يكون الشركاء بلا أطفال أكثر سعادة من نظرائهم الذين يحظون بأطفال (آباء)، لكن هل الأطفال أنفسهم هم الملامون على ذلك؟

إن المعارف والآراء الشعبية تفترض أن إجاب الأطفال هو مفتاح مهم لعيش حياة سعيدة وذات معنى، لكن الأدلة التجريبية تقترح أن “اللا آباء” هم المجموعة الأكثر سعادة من غيرهم في المجتمع، تظهر هذه الفروقات واضحة في بلدان مثل الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، أما في البلدان التي تدعم سياسات تكوين الأسرة، يمكن للآباء أن يكونوا سعداء تماماً بقدر نظرائهم الذين اختاروا عدم إنجاب وتربية أطفال. إن ما تقترحه هذه الدراسة هو عدم قدرتنا من الاعتماد على المعارف الشعبية لاتخاذ القرارات المتعلقة برغبتنا في الأبوة من عدمها، سواء كان ذلك على الصعيد الشخصي أو المجتمعي.

كيف يمكن للمرء أن يعيش حياة سعيدة وذات معنى؟ للكثيرين يكون الجواب ببساطة؛ تربية الأطفال، حتى لو كان ذلك مجرد أحد نواحي الإجابة الكلية على هذه السؤال. مراقبة الطفل وهو يكبر ويتعلم عن العالم من حوله يمكن أن يشكّل بحد ذاته تجربة ممتعة، وحتى الوقت المهدور في هذه العملية يزوّدنا بالحب والعطف غير المشروطين ويقدم لنا مكاسب روحية. ثم أنه في سنواتنا الذهبية هذه، يمكن للأبناء أن يكونوا بمثابة مصدر للراحة وتخفيف الألم. إن وجهة النظر هذه مترسخة بقوة في ثقافتنا لدرجة أن المجتمع (العائلة، الأصدقاء، إلخ) يحث بقوة كثيراً من الأشخاص، خصوصاُ النساء، على الإنجاب، ويطلب تبريراً من الأشخاص الذين اختاروا ألا يقوموا بهذه العملية.

كما هو الحال في غالبية الأحيان، فإن الايدولوجية الاجتماعية تثبت أنها أكثر تعقيداً من المفاهيم والفلسفات العالمية المُتَعَلَّمة منذ القدم. إن عقوداً من الأبحاث التي كانت تقارن سعادة وحسن سيرورة حياة الآباء بنظرائهم اللا آباء تخبرنا أن كثيراً من الآباء أقل سعادة من نظرائهم اللا آباء، لكن ليس جميعهم.

أولاً: فخ الأبوة.

إنه فعلاً لشيء ملفت للانتباه حيث نرى عناويناً حول كيفية كون الآباء أكثر حزناً واكتئاباً من اللا آباء، لكن تبقى هكذا عناوين مجرد قصص وبالكاد ترقى لأن تكون أخباراً موثوقة. إن الدراسات التجريبية تتبّع هذا النمط بالذات منذ سبعينات القرن الماضي، حيث نجد ثلاث أوراق بحثية هامة كعينات توضيحية هذه النزعة:

– مراجعة توماس هينسين عام 2011، وهو باحث في منظمة الأبحاث الاجتماعية النرويجية، حيث يقارن هينسين في هذا البحث بين فهمنا الشعبي (غير علمي) للعلاقة بين السعادة والأبوة وبين الدلائل التجريبية على ذلك. وجد هذا البحث أن الناس يعتقدون أن حياة الأشخاص بلا أبناء تصبح خاوية وتمتلك عدداً أقل من الحوافز والدوافع للمضي قدماً، كما أنها تمتلئ بالوحدة عكس نظرائهم من الآباء. في الحقيقة إن ما هو صحيح هو عكس هذه النظرة تماماً، حيث يمكن للأبناء الذين يعيشون مع آبائهم أن ينتهكوا سلام آبائهم النفسي وسعادتهم.

-إن تحليل البيانات من قبل المجلس العالمي لشؤون الأسرة حاول التركيز على قياس أكثر تحديداً للسعادة، ألا وهو نسبة الرضا في العلاقة الزوجية. وُجِد أن الأزواج الذين لم يحظوا بأبناء قد أبلغوا عن مستويات أعلى من الرومانسية في العلاقة. إن الفرق كان أكثر وضوحاً عند الأمهات للأطفال الرضع أو صغار السن عموماً، أما الآباء فقد أعلنوا عن رضا أقل بغض النظر عن أعمار أبنائهم. دوّن القائمون على البحث ملاحظتهم بأن هذا التعارض هو غالباً ناتج عن تضارب الأدوار والقيود التي يفرضها وجود الأبناء على حريات الآباء.

-أخيراً، الدراسة التي نُشِرت في الصحيفة الأمريكية في علم الاجتماع والتي نظرت في شؤون 22 دولة من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول الترابط بين الأبوة والسعادة. إن الباحثين جينيفر غلاس من جامعة تيكساس في أوستن، وروبين سايمون في جامعة ويك فورست وجدا أن اللا آباء أظهروا مستويات أعلى من السعادة ورغد العيش في المجتمعات الأكثر تطوراً من الناحية الصناعية.

إن ثغرة السعادة بين الآباء واللا آباء كانت الأكثر اتساعاً في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان الآباء أقل سعادة في حياتهم بنسبة 12% من نظرائهم الذين لم يحظوا بأبناء. أظهر الآباء في 14 دولة أخرى (منهم إيرلندا، اليونان، بريطانيا، نيوزيلندا، سويسرا، وأستراليا) أيضاً معدلات سعادة أقل من نظرائهم، لكن ليس إلى نفس الحد الذي ظهر في الولايات المتحدة الأمريكية.

ثانياً: هل الأولاد بخير؟

قد يعتقد المرء إذا ما أخذ نظرة خاطفة على هذا البحث، أن الأبناء بحد ذاتهم هم غالباً مصدر الحزن في حياة آبائهم، ونعم.. فكلنا نعلم أن الابن يمثل البند الأول من هذه الحالة، لكن هؤلاء الباحثين كانوا حذرين بشدة ليشيروا أن هذه العلاقة بين هذه التأثيرات هي علاقة ترافق وتلازم وليس علاقة سببية، وأنه هناك العديد من العوامل الأخرى المؤثرة غير الذرية والإنجاب.

في مراجعة هينسين، يشير أن الآباء الذين يميلون للتعاسة أكثر من غيرهم كانوا نساءً، عازبين، أولئك الذين ينتمون إلى الطبقات الدنيا من حيث الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وأولئك الذين يعيشون في مجتمعات أقل دعماً للأبوة وتكوين الأسرة. بينما رأى المجلس العالمي لشؤون الأسرة أن النقص الأكبر في رضا العلاقة الزوجية الذي يحدث في الطبقات الأكثر رقياً من الناحية الاقتصادية والاجتماعية هو غالباً بسبب تناقص حجم الحريات التي كانوا قادرين على توفيرها قبل إنجابهم للأطفال.

وجد جلاس وسايمون 8 بلدان أبلغت عن مستويات سعادة أكبر عند الآباء من نظرائهم، من هذه البلدان إسبانيا، النرويج، والبرتغال. حيث حلل الباحثان هذه النتائج على أن الدول التي تقدّم سياسات أكثر كرماً وحرصاً على الأسر، بالأخص تلك التي تتضمن الإجازات مدفوعة الأجر وإعانات لرعاية الطفل، يظهر فيها تفاوتات أقل من ناحية السعادة بين الآباء واللا آباء.

سجّل الآباء في الدول التي تحوي سياسات مساعِدة لتكوين الأسرة معدلات أقل من حيث الضغوطات المترتبة عليهم، حيث يمكنهم أخذ إجازات أمومة، الاستمتاع بالدعم المادي الذي يحصلون عليه لرعاية أبنائهم، كما أنهم لا يثقلون كاهلهم بالتفكير بالنفقات التعليمية المستقبلية. نجد هذه الجوانب صحيحة عند المقارنة مع الولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص؛ والتي تزوّد دعماً ضئيلاً جداً للآباء مقارنة مع باقي الدول في هذه الدراسة.

الأهم من كل هذا، وجد غلاس وسايمون أن هذه السياسات لا تحمل أي تأثيرات سلبية من حيث مستويات السعادة على أولئك الذين اختاروا ألّا يحظوا بأطفال، في الحقيقة إن وجود سياسات قوية لدعم الأسرة تقود إلى مستويات أعلى من السعادة عند النساء سواءً كنا أمهات أو لا (مهما كانت حالتهن).

ثالثاُ: نقص السعادة الناتج عن الأبوة والأمومة ليس شيئاً بسيطاً، بل معقداً.

تقترح الدراسات الثلاثة السابقة أن السبب الأكبر في الكآبة الأبوية هو الحاجة (العَوَز)، حيث يجد الآباء من الطبقات المتدنية اقتصادياً واجتماعياً صعوبة في الجمع بين ترتيب شؤونهم المالية ومصادر دخلهم، وتنسيق شبكة علاقاتهم الاجتماعية الضرورية لنجاحهم في حياتهم، ودعم أولادهم مادياً ومعنوياً في الوقت نفسه! حتى الآباء من الطبقات الأرقى يمكن أن يُرهَقوا حينما يضطرون لمقايضة أحد مواردهم المحدودة للحصول على آخر، مثلما هو الحال عند مقايضة الوقت أو الحرية لتحقيق الذات. إن البلدان التي تحتوي على سياسات داعمة لتكوين الأسرة يمكنها تعويض هذه الحاجات مما يساعد على إعادة التوازن لثغرة السعادة التي كانت موجودة بين الآباء واللا آباء.

تعمّق الباحثون في هذا الحقل أكثر لمعرفة العوامل المؤثرة على هذه الظاهرة، فعندما حوّلوا اهتمامهم وتركيزهم إلى شيء آخر، تمكنوا من رسم استنتاجات مختلفة قادرة على منحنا صورة أشمل وأكثر تعقيداً حول المآزق المتعددة للأبوة. ها هي العوامل التي غالباً ما تؤثر على مستويات السعادة عند الآباء (مع الأخذ بعين الاعتبار جانب الحاجة الذي تم طرحه بدايةً)، وعلى الرغم من أننا نعلم أن هذه العوامل مؤثرة، إلّا أنه من الصعب معرفة إلى أي درجة بالضبط قد تكون هذه العوامل حاسمة في هذه الظاهرة.

ثقافة العائلات الكبيرة:

إن دولاَ مثل إسبانيا والبرتغال، حيث يعتبر الآباء أكثر سعادة بنسبة 3.1% و 8% على التوالي من نظرائهم اللا آباء، تُعتبر دولاً تعتمد في ثقافتها الاجتماعية على العائلات الكبيرة. الإسبان على سبيل المثال يعالجون مشاكلهم الشخصية بمساعدة العائلة، حتى أن هذه المشاركة الصغيرة بين الشخص والعائلة تمتد لتصل إلى تربية الأطفال سوياً، حيث يقوم الجميع بأعمال صغيرة تنجز عملاً ضخماً في نهاية الأمر.

على العكس تماماً، إن الثقافة الشائعة في الولايات المتحدة الأمريكية تقوم على الفردية في اتخاذ القرارات ومواجهة الحياة، إنه ما يدعى بـ “نموذج الحياة النووية” والذي يتكون من عائلة صغيرة تتألف من الأبوين اللذين يتحملان كامل المسؤولية وحدهما في تربية أطفالهما، بينما يعيش الأقارب البعيدون (العائلة الكبيرة) في أماكن منفصلة عن بعضهم البعض، وأحياناً تفصلهم مئات الأميال عن عوائلهم.

مَن هم الآباء أنفسهم:

غلاس وروبين يشيران إلى أن نتائجهما قد تكون ذات صلة بالانتقائية الأبوية، حيث يطرحان فكرة أن دولاً مثل إسبانيا وإيطاليا، والتي تتميز بمعدلات خصوبة وإنجاب منخفضة، تسجل معدلات أعلى من السعادة عند الآباء بسبب أن الآباء هم أشخاص يرغبون بشدة أن يحظوا بأطفال بعد التفكير في الأمر. أما في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تسجل معدلات خصوبة وولادات أكثر بكثير من غيرها، قد يكون الناس فيها ليسوا ميّالين بشدة لفكرة الأبوة أو الحصول على أبناء.

عيش الأبناء في المنزل:

إن أحد التحليلات المطروحة من منظمة دراسات الأسرة وجدت أن الرجال بين عمر الـ 50-70 يكونون أسعد من نظرائهم اللا آباء إذا كان أبنائهم قد غادروا منازلهم ويعيشون في أماكن أخرى، أما الرجال في هذا العمر الذي ما زال أبنائهم يعيشون معهم فقد سجلّوا معدلات سعادة أقل من اللا آباء وأقل من الآباء الذين يعيشون بدون أبنائهم. أما بالنسبة للنساء من نفس الشريحة العمرية، فالأمهات اللواتي غادر أولادهن المنزل سجلنّ معدلات سعادة أخفض قليلاً من نظيراتهن اللا أمهات، لكنّ اللواتي ما زال أولادهن يعيشون معهن سجلن انخفاضاً حاداً في معدلات سعادتهن مقارنةً بنظيراتهن اللا أمهات.

عدد الأبناء:

إن التحليل السابق نفسه يظهر أن النساء اللواتي لديهن ابن واحد فقط كانوا أقل احتمالاً ليكونوا سعيدات بنسبة سبع نقاط بالمئة من نظيراتهن اللا أمهات، بينما النساء اللواتي يمتلكن ثلاثة أو أربعة أبناء لم تظهرن أي فروق واضحة. بالنسبة للرجال لم يظهر أي تباين كبير من هذه الناحية.

نيكولاس ه.وولفينغر، مبتكر هذا التحليل، يعترف أن هذه النتائج لم تكن متوقعة البتة، ويضع تفسيرين محتملين لهذه النتائج: أولاً، عدم تحقيق التفضيل المتوقع لحجم العائلة قد يساهم في التقليل من السعادة، حيث يقرر معظم الأشخاص أن يستقروا بعدد أقل من الأطفال مما كانوا يرغبون. ثانياً، إن تفضيل العائلة بقوة (أي التفكير بالعائلة على أنها بناء لأفرادها، وحاجات العائلة أهم من حاجات كل فرد على حدا) تجعل آثار الأبوة أكثر سلبية، حيث من غير المحتمل أن يكون حجم العائلة وحده دون غيره يسبب هذا الانحدار في مستويات السعادة.

الأسلوب المتّبع في الأبوة:

إن طريقة الأبوة التي يتبعها الآباء قد تحمل تأثيرات عميقة على مستويات سعادتهم. تناقش عالمة النفس التنموية، أليسون جوبنيك، في كتابها (البستانيّ والنجّار)، أن نمط التربية الحديث الذي يجعل الآباء ينظرون إلى أبنائهم على أنهم مواد تحتاج إلى صقل حتى يكوّنوا نمطاً معيناً من الراشدين في المستقبل، ليس فقط أسلوباً خاطئاً من الأبوة، بل أيضاً مصدراً للضغط النفسي والتعاسة لعديد من الآباء.

تقول عالمة النفس التنموية أليسون جوبنيك لمجلة بيغ ثينك (Big Think): “إن الأسلوب الحالي المتبع من الأبوة ليس الأسلوب الطبيعي، كما أنه ليس نموذجاً فعالاً للغاية، لم يساعد هذا النمط الآباء أو الأبناء على الازدهار في حيواتهم، بل قاد الآباء إلى كميات كبيرة من القلق والإحساس بالذنب، كما بنى كثيراً من التوقعات على الأبناء والتي ليست ضروريةً حتى، في الحقيقة إن هذه التوقعات يمكنها أن تكون مثبطة لإنتاج الأبناء إذا كنا نريد منهم أن يكونوا حقاً مبتكرين ومبدعين.”

تحقيق الذات وإدراكها:

وجد أحد استطلاعات مركز بيو للأبحاث أن الآباء الذين قالوا أنهم سعداء جداً في حياتهم كانوا على اعتقاد تام أنهم يقومون بعمل ممتاز في دورهم الأسري.

ما زال لدينا الكثير لنتعلمه حول الأبوة، ونتائج كثير من الأبحاث المتنوعة قد تثير نوعاً من الجدل في بعض الأوقات. على الرغم من ذلك، يبدو أننا بحاجة لتطوير تصورّنا الشعبي حول الأسرة، كما يجب أن نعيد تقييم وجهات نظرنا في الأبوة من الناحيتين الفردية والمجتمعية المتعلقة بالمجتمع وسياساته وثقافته.

مع كل ما تم طرحه في هذا المقال، يمكننا استخلاص استنتاجين قويين ومهمين؛ بالنسبة للذين اختاروا ألا يحظوا بأطفال، أن اختياركم هذا لن يقودكم إلى حياة غير سعيدة ووجود بلا معنى حيث ستقضون آخر أيام حياتكم تفكرون أنكم قد هدرتموها سدىً، على العكس ستكون حياتكم رائعة. أما بالنسبة للآباء الذين اختاروا أن يحظوا بأطفال فهم أيضاً لن يضحوا بالضرورة بسعادتهم فقط في سبيل مستقبل أبنائهم. قد تكون الأبوة مصدراً حقيقياً للحيوية والسعادة، لكن تربية طفل ببساطة وحده لن يجلب بشكل سحري السرور إلى حيواتكم، في الحقيقة سيتوجب عليكم العمل بجد أكبر لتحصلوا على هذا السرور نظراً للعديد من العوامل، بعضها سيكون تحت سيطرتكم وبعضها الآخر لن يكون، في سبيل سعادتكم الأبوية. إن أي شخص يفكر في الإقدام على خطوة كبيرة كأن يصبح أباً أو أماً يجب أن يفكر بالموضوع بملّية وحكمة ويقدّر تماماً حجمه قبل اتخاذ أي قرار تجاهه.

leave a reply

*

code

error: Content is protected !!