محاضرات فاينمان: الذرات في حالة الحركة (2-1) - Lebanon news - أخبار لبنان

محاضرات فاينمان: الذرات في حالة الحركة (2-1)

محاضرات-فاينمان:-الذرات-في-حالة-الحركة-(2-1)

الجزء الأول من المحاضرة

3- العمليات الذرية Atomic processes

تحدثنا حتى الآن عن وصف المواد الصلبة والسوائل والغازات من وجهة النظر الذرية. وتصف الفرضية الذرية أيضًا العمليات بين الذرات، وسنلقي الآن نظرة إلى العمليات من وجهة النظر الذرية. العملية الأولى التي سوف ننظر فيها تتعلق بسطح الماء. ماذا يحدث على سطح الماء؟ سنجعل الصورة الآن أكثر تعقيدًا -وأكثر واقعية- من خلال تخيّل أن السطح في الهواء. يبين الشكل 1-5 سطح الماء في الهواء. ونحن نرى جزيئات الماء كالمرة السابقة، وتشكيل الجسم من الماء السائل، ولكن الآن نرى أيضًا سطح الماء. فوق السطح نجد عددًا من الأشياء: أولًا وقبل كل شيء هناك جزيئات الماء، كما هو الحال في البخار. هذا هو بخار الماء، الذي يوجد دائما فوق الماء السائل (هناك توازن بين رذاذ البخار والمياه وسيوصف لاحقًا). بالإضافة إلى ذلك نجد بعض الجزيئات الأخرى، فهنا ذرتا أكسجين تتماسكان معًا، وتشكلان جزيء الأكسجين، وهناك تتماسك ذرتان من النيتروجين لخلق جزيء النيتروجين.

شکل 1-5 تبخر جزيئات الماء

تقريبًا يتكون الهواء كليًا من النيتروجين، والأكسجين، وبعض بخار الماء، وكميات أقل من ثاني أكسيد الكربون، والأرغون، وأشياء أخرى. وهكذا يوجد فوق سطح الماء الهواء، الغاز الذي يحتوي على بعض من بخار الماء. ماذا يحدث في هذه الصورة؟ جزيئات الماء تهتز حول نفسها طوال الوقت. ومن وقت لآخر، يُضرب جزيء على السطح بقوة أكثر قليلًا من المعتاد، فيتحرر بعيدًا. من الصعب أن نرى هذا يحدث في هذه الصورة لأنها صورة ثابتة. ولكن يمكننا أن نتصور أن جزيئًا واحدًا بالقرب من السطح قد ضُرب للتو ثم طار، أو ربما جزيء أخر. وهكذا يختفي الماء جزيء تلو جزيء؛ إنه يتبخر. ولكن إذا قمنا بإغلاق الوعاء من الأعلى، فسنجد بعد فترة من الوقت عددًا كبيرًا من جزيئات الماء بين جزيئات الهواء. ومن وقت لآخر، يهبط أحد جزيئات البخار إلى الماء فيتعثر عالقًا مرة أخرى. لذلك نرى أن ما يبدو وكأنه شيء ميت، وغير مهم، مثل كوب من الماء مع غطاء ساكن في مكانه منذ عشرين عامًا، يحتوي على ظاهرة ديناميكية ومثيرة للاهتمام تجري طوال وقت. في عيوننا، في عيوننا البسيطة، لا شيء يتغير، ولكن إذا رأينا ذلك مع مليار مرة تضخيم، فسنرى التغيّر الدائم: الجزيئات تترك السطح-الجزيئات تعود.

لماذا لا نرى أي تغيير؟ لأن العديد من الجزيئات تعود كما غادرت! فعلى المدى الطويل «لا شيء يحدث». لكن برفع غطاء الوعاء وتحرير الهواء الرطب، ثم استبداله بهواء جاف، سيظل عدد الجزيئات المغادرة هو ذاته من قبل لأنه يعتمد على الاهتزازات في الماء ذاته لكن عدد الجزيئات التي تعود إلى الماء سيقل بشكل كبير لانخفاض عدد جزيئات بخار الماء فوق الماء (في الهواء). لذلك فالجزيئات التي تتطاير أكثر من تلك التي تعود، فيتبخر الماء. وبالتالي، إذا كنت ترغب في تبخير الماء شغل المروحة!

ثمة أمر آخر: أي الجزيئات يغادر؟

يغادر الجزيء بسبب حدث عرضي، تراكم إضافي أعلى قليلًا من الطاقة العادية، وهذا هو المطلوب للتغلب على جاذبية الجزيئات المحيطة به. لذلك، بما أن الجزيئات التي تتصاعد لديها طاقة أكبر من المتوسط، فإن تلك التي تبقى لديها حركة أقل من المتوسط الذي كانت عليه من قبل. لذلك يبرد السائل تدريجيًا إذا كان يتبخر. وبطبيعة الحال، عندما يعود جزيء بخار من الهواء إلى الماء أدناه، هناك جاذبية كبيرة مفاجئة مع جزيء يقترب من السطح. هذا يُسرّع الجزيء العائد ويؤدي إلى توليد الحرارة. لذلك عندما تتصاعد الجزيئات يسحبون الحرارة؛ وعندما يعودون يولدون الحرارة. وبطبيعة الحال عندما لا يكون هناك تبخر صافي فالنتيجة هي لا شيء، أي أن الماء لا تتغير درجة حرارته. وإذا نفخنا في الماء للحفاظ على رجحان مستمر في العدد المتبخر، يبرد الماء. وبالتالي، انفخ في الحساء لتبرده!

بالطبع يجب أن تدرك أن العمليات التي وصفناها للتو هي أكثر تعقيدًا من هذا. فليس فقط أن الماء يذهب إلى الهواء، ولكن من وقت لآخر، واحدة من جزيئات الأكسجين أو النيتروجين سوف «تضيع» في كتلة جزيئات الماء، وستواصل طريقها في الماء. وهكذا يذوب الهواء في الماء؛ فإن جزيئات الأكسجين والنيتروجين تجد سبيلها إلى الماء ما يجعله يحتوي على الهواء. وإذا أخذنا فجأة الهواء بعيدًا عن الوعاء، ستغادر جزيئات الهواء بسرعة أكبر من التي تأتي، وفي أثناء القيام بذلك ستخلق فقاعات. وهذا الأمر سيء للغواصين، كما قد تعلمون.

سنستعرض الآن عملية أخرى. في الشكل. 1-6 نرى -من وجهة نظر ذرية- جسمًا صلبًا يذوب في الماء. إذا وضعنا بلورة من الملح في الماء، ماذا سيحدث؟ الملح صلب، إنه بلورة أو ترتيب منظم من «ذرات الملح». الشكل 1-7 يوضح هيكل ثلاثي الأبعاد من ملح الطعام (كلوريد الصوديوم). بشكل أدق، لا تتشكل البلورة من الذرات بل مما نسميه بالأيونات. الأيون هو ذرة إما أن لديها عدد قليل من الإلكترونات الإضافية أو فقدت عددًا قليلًا من الإلكترونات. في بلورة الملح نجد أيونات الكلور (ذرات كلور ذات إلكترون إضافي) وأيونات الصوديوم (ذرات صوديوم ذات إلكترون واحد ناقص). تترابط الأيونات معًا عن طريق الجذب الكهربائي لتشكل الملح الصلب، ولكن عندما نضعها في الماء نجد، بسبب عوامل الجذب للأكسجين السلبي والهيدروجين الإيجابي للأيونات، أن بعض الأيونات تهتز اهتزازت واسعة.

شكل 6-1 ذوبان الملح في الماء

نرى في الشكل 1-6 أن لأيون الكلور مساحة واسعة حوله، وغيره من الذرات يعوم في الماء على شكل أيونات. لقد صنعت هذه الصورة بحرص. لاحظ على سبيل المثال، أن أطراف الهيدروجين في جزيئات الماء أكثر عرضة لتكون بالقرب من أيون الكلور، في حين أن أيون الصوديوم أكثر عرضة للعثور على أطراف الأكسجين، لأن الصوديوم إيجابي وأطراف الأكسجين من الماء سلبية، فيحدث بينها جذبٌ كهربائيٌ. هل يمكننا أن نقول من هذه الصورة إذا كان الملح يذوب في الماء أو يتبلور خارج الماء؟ بالطبع لا يمكننا أن نجيب، لأنه في حين أن بعض الذرات تترك مكانها في البلورة فالبعض الآخر يعيد الانضمام إليها. العملية عملية ديناميكية، كما هو الحال في حالة التبخر، ويعتمد ذلك على كمية الملح المطلوبة للتوازن. التوازن هو الوضع الذي من خلاله يصبح معدل الذرات التي تغادر يتطابق مع معدل الذرات الذي يعود. إذا كان لا يوجد ملح في الماء تقريبًا، وكانت الذرات المغادرة أكثر من الذرات العائدة، فسوف يذوب الملح. وإذا كان هناك الكثير جدًا من «ذرات الملح» التي تعود أكثر من التي تغادر، فسيتبلور الملح.

نذكر على الهامش أن مفهوم جزيء المادة هو تقريبي فقط وموجود لفئة معينة من المواد وحسب. ومن الواضح في حالة الماء أن الذرات الثلاث مقترنة في الواقع معًا. لكنها ليست بنفس الوضوح في حالة كلوريد الصوديوم الصلب؛ هناك فقط ترتيب من أيونات الصوديوم والكلور في نمط مكعب، وليس هناك طريقة طبيعية لتجميعها على أنها «جزيئات الملح«.

شكل 1-7 بلورة كلوريد الصوديوم (ملح الطعام)

بالعودة إلى مناقشتنا عن المحلول والرواسب، إذا قمنا بزيادة درجة حرارة محلول الملح، فإن معدل تطاير الذرات يزداد، وكذلك معدل عودتها. اتضح أنه من الصعب، بشكل عام، التنبؤ بمعدل ذوبان المواد الصلبة. فمعظم المواد تذوب أكثر بازدياد درجة الحرارة، ولكن بعض المواد تذوب أقل.

4- التفاعلات الكيميائية Chemical reactions

في جميع العمليات التي وصفت حتى الآن، الذرات والأيونات لم تغيّر شركائها، ولكن بالطبع هناك ظروف تحدث عدة متغيرات، وتشكل جزيئات جديدة. يبدو هذا واضحًا في الشكل 1-8. إن عملية إعادة ترتيب الذرات المقترنة هي ما نسميه تفاعل كيميائي. في حين تسمى العمليات الأخرى التي وصفت من قبل بالعمليات الفيزيائية، ولكن لا يوجد تمييز جلي بين الاثنين (الطبيعة لا تحفل بمسمياتنا، إنها تظل تقوم بعملها). هذا الشكل من المفترض أن يمثل حرق الكربون مع الأكسجين. في حالة الأكسجين، توجد ذرتان من الأكسجين ترتبطان معًا بقوة (لماذا ليس ثلاث ذرات أو حتى أربع معًا؟ هذه إحدى الخصائص الغريبة جدًا في هذه العمليات الذرية. الذرات مميزة جدًا: إنها تفضل شركاء معينين، وفي بعض الاتجاهات المعينة، وهلم جرا. وهذه هي وظيفة الفيزياء؛ تحليل لماذا يرغب كل شيء في التصرف بهذا الشكل. على أي حال، اثنين من ذرات الأكسجين تشكلان معًا جزيء مشبعًا وسعيدًا.

شكل 1-8 احتراق الكربون

ويفترض أن تُكَوِّن ذرات الكربون بلورة صلبة (يمكن أن تكون الجرافيت أو الماس 1). الآن، على سبيل المثال، واحد من جزيئات الأكسجين يمكن أن تذهب إلى الكربون، وكل ذرة يمكن أن تلتقط ذرة الكربون وتحلق في مزيج جديد «الكربون-الأكسجين»، وهو جزيء الغاز المعروف باسم أول أكسيد الكربون الذي يعرف كيميائيا باسم CO. وهو بسيط جدا: الحروف «CO» هي عمليًا صورة هذا الجزيء. ولكن الكربون يجذب الأكسجين أكثر بكثير من جذب الأكسجين للأكسجين أو جذب الكربون للكربون. لذا في هذه العملية يصل الأكسجين بقليل من الطاقة، ثم يرتبط الأكسجين والكربون جنبًا إلى جنب برابط قوي، وكل شيء بالقرب منهما سوف يلتقط طاقة. وبالتالي تولد كمية كبيرة من الطاقة الحركية أو طاقة الحركة وهذا ما نسميه بالاحتراق. ونحصل على الحرارة من مزيج الأكسجين والكربون. وتكون الحرارة بهيئة حركة جزيء الغاز الساخن، وفي بعض الظروف قد تكون سريعة جدًا بحيث تولد ضوءًا. وبهذه الطريقة يحصل المرء على اللهب.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن أول أكسيد الكربون غير مشبّع إلى حد ما. ومن الممكن أن يجذب ذرة أكسجين أخرى، هذا أحد أسباب أن هناك عدة احتمالات لتفاعل الأكسجين مع الكربون ما يجعل التفاعل بينهما معقدًا، وفي نفس الوقت يحدث اصطدام مع جزيء أول أكسيد الكربون. يمكن لذرة واحدة من الأكسجين أن تربط نفسها بأول أكسيد الكربون وتشكل في نهاية المطاف جزيئًا جديدًا، يتكون من ذرة كربون وذرتين من الأكسجين، وهو ما يكتب CO2 ويسمى ثاني أكسيد الكربون. إذا أحرقنا الكربون بأكسجين قليل في تفاعل سريع (على سبيل المثال، في محرك السيارات، حيث الانفجار يحدث بسرعة بحيث لا يوجد وقت لتكون ثاني أكسيد الكربون) فستتشكل كمية كبيرة من أول أكسيد الكربون. وفي العديد من عمليات إعادة التشكيل، تطلق كمية كبيرة جدًا من الطاقة، مما يشكل انفجارات، ولهب، وما إلى ذلك، اعتمادًا على التفاعل. وقد درس الكيميائيون ترتيب هذه الذرات، ووجدوا أن كل مادة لها نوع مختلف من ترتيب الذرات.

ولتوضيح هذه الفكرة، دعونا نأخذ مثالًا آخر. إذا ذهبنا إلى حقل من زهور البنفسج، فنحن نميّز «تلك الرائحة». إنها نوع من الجزيئات، أو ترتيب الذرات، التي عرفت طريقها إلى أنوفنا. أولًا وقبل كل شيء، كيف تصل إلينا؟ هذا أمر سهلٌ نوعًا ما. إذا كانت الرائحة نوع من الجزيء في الهواء، يهتز ويُضرب من بقية الجزيئات فلعله وصل إلى أنفنا بمحض الصدفة. بالتأكيد ليس لديها رغبة في الوصول الى أنفنا بالذات. فهو مجرد جزيء عشوائي ضل الطريق في تجواله اليائس وهكذا وَجدت قطعة معينة من المادة نفسها في أنفنا.

يمكن للكيميائيين أن يأخذوا جزيئات خاصة مثل رائحة البنفسج، ثم يحللوها ليحددوا الترتيب الدقيق للذرات في الجو. ونحن نعلم أن جزيء ثاني أكسيد الكربون هو مستقيم ومتناظر: O—C—O )يمكن تحديد ذلك بسهولة، من خلال الطرق الفيزيائية). ومع ذلك، حتى بالنسبة للترتيبات الأكثر تعقيدًا من الذرات في الكيمياء، يمكن للمرء، من خلال عملية طويلة من البحث العثور على ترتيبات الذرات.

الشكل 1-9 هو صورة للهواء في جوار حقل البنفسج. مرة أخرى نجد النيتروجين والأكسجين في الهواء، وبخار الماء (لماذا يكون هناك بخار الماء؟، لأن البنفسج رطب وجميع النباتات تنضح). ومع ذلك، سنرى أيضا «وحشًا» يتألف من ذرات الكربون، وذرات الهيدروجين، وذرات الأكسجين، جميعها مرتب في نمط معين. هو ترتيب أكثر تعقيدًا بكثير من ترتيب ثاني أكسيد الكربون؛ إنه ترتيب معقد للغاية. لسوء الحظ، لا يمكننا تصوير كل ما هو معروف بشكل واقعي عن ذلك كيميائيًا، لأن الترتيب الدقيق لجميع الذرات هو في ثلاثة أبعاد، في حين أن صورتنا هي في بعدين فقط. إن ذرات الكربون الست التي تشكل الحلقة لا تشكل حلقة مسطحة، ولكنها نوع من حلقة «مجعدة» وكل الزوايا والمسافات فيها معروفة. لذلك فالصيغة الكيميائية هي مجرد صورة لمثل هذا الجزيء. وعندما يكتب الكيميائي شيئًا من هذا القبيل على السبورة، فإنه يحاول «الرسم» في بعدين. على سبيل المثال، نرى «حلقة» من ست ذرات كربون، و«سلسلة» من الكربون معلقة في النهاية، مع رابط مع ذرة أكسجين في ذرة الكربون الثانية قبل نهاية السلسلة مع ثلاث ذرات هيدروجين مرتبطة بهذا الكربون، واثنين من الكربون وثلاثة من الهيدروجين تلتصق هنا.. إلخ.

شكل 1-9 عطر البنفسج

كيف يجد الكيميائي هذا الترتيب؟ إنه يخلط زجاجات مليئة بالأشياء معًا، وإذا تحولت إلى اللون الأحمر، فهذا يعني أن المادة تتألف من ذرة هيدروجين واحدة وذرتين من الكربون مرتبطة معها، ولكن إذا تحولت إلى اللون الأزرق فهذا يعني أن المادة ليست متركبة بهذه الطريقة على الإطلاق.

وهذا واحد من أروع أجزاء العمل البحثي: الكيمياء العضوية. لاكتشاف ترتيب الذرات في هذه المصفوفات المعقدة ينظر الكيميائي إلى ما يحدث عندما يخلط بين اثنين من المواد المختلفة معًا. الفيزيائي لا يعتقد أن الكيميائي يعرف ما كان يتحدث عنه عندما وصف ترتيب الذرات. وعلى مدى عشرين عامًا، كان من الممكن في بعض الحالات أن ننظر إلى الجزيئات (غير المعقدة مثل هذه) بطريقة فيزيائية، وتحديد موقع كل ذرة، لا من خلال النظر إلى الألوان، ولكن من خلال قياس أين هي. لكن شاهد وتعجب لأن الكيميائيين عادة ما يصيبون دائما.

اتضح أن في رائحة البنفسج ثلاث جزيئات مختلفة، وهي تختلف فقط في ترتيب ذرات الهيدروجين.

وإحدى مشاكل الكيمياء هي تسمية مادة، حتى يتسنى لنا أن نعرف ماهيتها. نبحث عن اسم لهذا الشكل! ليس على الاسم أن يعبر عن الشكل وحسب، بل يجب أيضا أن يشير إلى وجود ذرة أكسجين هنا، وهيدروجين هناك، أي أن يخبر عن ماهية وموقع كل ذرة. لذلك نحن نُقَدِّر أن الأسماء الكيميائية يجب أن تكون معقدة من أجل أن تكون كاملة. ترى أن اسم هذا الشيء في شكل أكثر اكتمالًا من شأنه أن يعبر عن بنيته هو: 4-(2، 2، 3، 6 رباعي ميثيل-5-حلقي الهكسين)-3-بوتن-2-واحد، وهذا يعبر لنا عن الترتيب. يمكننا أن نقدر الصعوبات التي يواجهها الكيميائيون، ونقدر أيضًا سبب مثل هذه الأسماء الطويلة. إنها ليست الرغبة في الغموض، ولكن لديهم مشكلة في محاولة وصف الجزيئات بالكلمات!

شكل 1-10 التركيب الكيميائي لجزيئة عطر α-irone

كيف نعرف أن هناك ذرات؟ من خلال إحدى الحيل التي ذكرناها سابقًا: نضع الفرضية القائلة إن هناك ذرات، ثم تخرج النتائج تباعًا بالطريقة التي نتوقعها، بالطريقة التي تؤكد أن الأشياء مصنوعة من ذرات. وهناك أيضا أدلة أكثر مباشرة إلى حد ما، ومن الأمثلة الجيدة على ذلك ما يلي: الذرات صغيرة جدًا بحيث لا يمكنك رؤيتها بالمجهر الضوئي، ولا حتى بالمجهر الإلكتروني (المجهر الضوئي يمكنك فقط من رؤية الأشياء الأكبر بكثير). والآن إذا كانت الذرات في حركة دائمة، مثل الماء، ووضعنا كرة كبيرة مصنوعة من شيء ما في الماء، والكرة أكبر بكثير من الذرات، فسوف تهتز الكرة كثيرا كما هو الحال في لعبة كرة الدفع، حيث يتم دفع الكرة الكبيرة من قبل عددٍ من الناس. الناس يدفعون الكرة في اتجاهات مختلفة، والكرة تتحرك في جميع أنحاء الميدان بطريقة غير منتظمة. وهكذا، وبطريقة مماثلة، فإن «الكرة الكبيرة» تتحرك بسبب الاصطدامات غير المتساوية من جانب إلى آخر، من لحظة إلى أخرى. لذلك، إذا نظرنا إلى جسيمات صغيرة جدًا (الغرويات) في الماء من خلال مجهر ممتاز، فسنرى الجسيمات في حالة اهتزاز دائم نتيجة لحركة الذرات. وهذا ما يسمى بالحركة البراونية.

يمكننا أن نرى المزيد من الأدلة على وجود الذرات في هيكل البلورات، فغالبا ما تتفق الهياكل الممسوحة من خلال الأشعة السينية في «أشكالها» المكانية مع الأشكال التي تظهرها البلورات بشكلها الطبيعي. وتتفق الزوايا بين مختلف «وجوه» البلورة، حتى في أدق كسور الدرجات الزاويِّة، مع زوايا استنتجت على افتراض أن البلورة مصنوعة من «طبقات» كثيرة من الذرات.

كل شيء مصنوع من الذرات. هذه هي الفرضية الرئيسة. فالفرضية الأكثر أهمية في كل علم الأحياء، على سبيل المثال، هي أن كل ما تفعله الحيوانات، تفعله الذرات. وبعبارة أخرى، ليس هناك فعل تفعله الكائنات الحية لا يمكن فهمه من وجهة نظر أنها مجموعة من الذرات تعمل وفقا لقوانين الفيزياء. هذا لم يكن معروفا منذ البداية: استغرق الأمر بعض التجريب والتنظير لاقتراح هذه الفرضية، ولكنها الآن مقبولة، وهي النظرية الأكثر فائدة في إنتاج أفكار جديدة في مجال علم الأحياء.

إذا كان لقطعةٍ من المعدن تتكون من ذراتٍ متراصةٍ فيما بينها كل هذه الخصائص المثيرة، وإذا كان للماء الذي ليس غير نقطٍ صغيرةٍ تمتد لأميال وأميال في الأرض أن يشكل موجات ورغوة ويصدر أصواتَ تدفقٍ وأنماطٍ غريبة بينما يسير فوق الأسمنت، إذا كان كل هذا، كل حياةِ جدول مياه ليست إلا كومة من الذرات فما يمكن أن يكون أكثر من هذا؟

ماذا لو عوضًا عن ترتيب الذرات في نسقٍ محدد يتكرر مرة بعد مرة، ويستمر مجددًا ومجددًا، أو عوضًا عن تكوين حزم معقدة مثل عطر البنفسج- ماذا لو صنعنا ترتيبًا يختلف من مكان إلى آخر بذرات كثيرة تترتب بطرق عديدة وتتغير باستمرار ولا تتكرر، فما الطريقة العظيمة التي قد يتصرف بها هكذا شيء؟

هل من الممكن أن هذا الذي يتحرك أمامكم جيئة وذهابًا ويتحدث إليكم هو عبارة عن عالم من الذرات مترابطة معًا بطريقة معقدة جدًا بحيث إن درجة تعقيدها يذهل المخيّلة في ماذا يستطيع فعله؟

نحن لا نعني حين نقول إننا كومة من الذرات، أننا مجرد كومة من الذرات، لأن كومة ذرات فريدة غير متكررة قد تملك ذات الإمكانات التي تراها أمامك في المرآة.

leave a reply

*

code

error: Content is protected !!