على وقع الإفطار الرئاسي في قصر بعبدا مساء الخميس، تقدّمت الإيجابية على السلبية في ما يتعلق بقانون الانتخاب، حيث أوحت كلّ المعطيات بأنّ إجماعًا حصل على السير بالنظام الانتخابيّ الذي تقدّم به النائبجورج عدوان، والقائم علىالنسبيةوفق الدوائر الـ15، وبأنّ التفاصيل التقنية المتبقية، على حساسيّتها، لن تقف حجر عثرة في وجه المشروع الجديد.

ولعلّ المفارقة التي تسجّل على هذا الصعيد أنّ مجريات الساعات الماضية بدّلت المعادلة اللبنانية المعروفة “لا غالب ولا مغلوب” لتصبح “الكلّ غالب ولا مغلوب”، وهو ما برز بشكلٍ خاص من خلال المرسوم “الاستثنائي” لفتح العقد “الاستثنائي” الذي صدر قبيل الإفطار، بما يريح كلاً من رئيس الجمهورية العمادميشال عونورئيس المجلس النيابينبيه بري، ولا يكسرهما.

مَخرَج مُتقن؟!

قبيلإفطار بعبدا، قيل الكثير عن “السيناريوهات” التي يمكن أن يحملها، من بينها سيناريوهات “مفرطة” في التفاؤل، ذهبت لحدّ توقّع أن يزفّ خلاله رئيس الجمهورية العماد ميشال عون “بشرى” التوصّل إلى التوافق النهائي على قانون الانتخاب، ومن بينها سيناريوهات أقلّ تفاؤلاً، اعتبرت أنّ “التعويل” سيكون على اللقاءات التي ستحصل على هامش الإفطار لتحقيق التقدّم المرتجى.

ولأنّ الصراع بين الرئيس عون ورئيس المجلس النيابي نبيه بري وصل إلى أوجه خلال هذا الأسبوع، بعدما رفض الأخير “الضغط” عليه على خلفية الدورة الاستثنائية للمجلس، وخرج بفتاوى واجتهاداتٍ تغنيه عن هذه الدورة من أساسها، اتّجهت كلّ الأنظار إلى اللقاء الذي سيجمعهما خلال الإفطار، قبل أن يستبق رئيس الجمهورية الأمر بإصدار مرسوم فتح الدورة الاستثنائية، كمؤشرٍ وضعه البعض في إطار “حسن النيّة”.

وإذا كانت بعض المعلومات أشارت إلى أنّ بري “اشترط” صدور مثل هذا المرسوم قبل الإفطار ليشارك فيه، فإنّ الواضح أنّ “المَخرَج” الذي تمّ التوصّل إليه كان متقنًا بشكلٍ لا يُظهِر لا بري ولا عون منكسرًا. فمن جهة، حقّق بري مراده وحصل على الدورة الاستثنائية التي طالب بها، ولم يبق تحت “رحمة” رئيس الجمهورية، الذي سرّبت بعض الأوساط المقرّبة منه في الأيام الماضية رفضه لفتح الدورة قبل حصول التوافق، وبالتالي نيّته ترك الأمور ضبابية ومفتوحة، ربما حتى اليوم الأخير من ولايةمجلس النواب. وبهذا المعنى، سيكون بري قادرًا على تحديد مواعيد جلسات لمجلس النواب ضمن مدّة العقد الاستثنائي، من دون أيّ ضغطٍ، ومن دون أن يلجأ لاجتهاداتٍ قد يسهل الطعن بها.

وفي المقابل، فإنّ عون عرف في مرسومه “الاستثنائي” كيف يبقي نفسه رابحًا، فهو من حيث الشكل حرص على أن يفتتح العقد الاستثنائي في 7 حزيران، ليس فقط ليتزامن ذلك مع جلسةمجلس الوزراءالتي يتوقع أن تدرس قانون الانتخاب لتحيله إلى مجلس النواب، ولكن قبل ذلك، حتى لا يُقال أنّه “رضخ” لبري، الذي كان قد استبق المرسوم بتحديد جلسةٍ للمجلس النيابي في 5 حزيران، علمًا أنّ كلّ المؤشرات كانت تدلّ على أنّ هذه الجلسة ستؤجّل حتمًا ريثما تنضج صيغة قانون الانتخاب. وفي الوقت نفسه، عمد عون إلى “حصر” برنامج العقد الاستثنائي بقانون الانتخاب لا غير، وفي ذلك محاولة منه لتكريس مقولة أنّه من منع التمديد، باعتبار أنّ المجلس النيابي لن يكون قادرًا بموجب هذه الصيغة على البتّ سوى بقانون الانتخاب، وبالتالي فإنّ أيّ تمديد قد يصار لإقراره يجب أن يكون منصوصاً عليه في إطار قانون انتخاب.

ماذا عن الباقين؟

هكذا، خرج كلّ من عون وبري رابحَين من المَخرَج “الدستوري” الذي تمّ اللجوء إليه لمعالجة مسألة قانون الانتخاب، تمامًا كما أنّهما سيخرجان “رابحَين” من إقرار قانون انتخاب، باعتبار أنّ مثل هذا الأمر أساسيٌ بالنسبة إلى رئيس الجمهورية، الذي لا يزال يخشى أن تنتهي ولاية المجلس النيابي من دون أيّ قانونٍ جديدٍ، ما سيؤدي إلى “انتكاسة” للعهد قد تكون تداعياتها مدوية، وكذلك بالنسبة لبري، الذي حاول البعض تصويره وكأنّه الساعي نحو التمديد، وهو يصرّ على إثبات العكس، وما استعجاله تعيين الجلسات للبحث في قانون الانتخاب سوى الدليل الحيّ على ذلك.

وكما عون وبري، يبدو أنّ مختلف الأفرقاء في لبنان حقّقوا مكاسب من خلال التطورات الحاصلة على خط قانون الانتخاب، فرئيس الحكومةسعد الحريريمثلاً وصل إلى قناعة مفادها أنّ عدم إقرار قانون انتخاب لن ينعكس سلبًا على العهد فقط، بل عليه وعلى حكومته بالدرجة الأولى، وهو بقي يردّد في الآونة الأخيرة أنّ عدم إقرار القانون سيكون فشلاً له على الصعيد الشخصي، من دون أن ننسى أنّ الرجل، الطامح للتمديد، كونه لم يستعدّ بعد للاستحقاق الانتخابي بشكلٍ كامل، بات مدركاً أنّه لن يستطيع بلوغه سوى من خلال قانون جديد، ولذلك بات مستعداً للسير بأيّ قانون، بغضّ النظر عن شكله.

وإذا كان “حزب الله”، مثله مثل “حركة أمل”، من الرابحين بطبيعة الحال، هو الذي انتصر خياره مجدّداً بعدما أطلق معادلة “إما نسبية أو لا قانون”، على الرغم من أنّ النسبية المطروحة تُعَدّ أسوأ صيغ النسبية على الإطلاق، فإنّ وضع النائب وليد جنبلاط ليس سيئاً أيضاً، بعدما تمّت مراعاة هواجسه لجهة دائرة الشوف عاليه في القانون الجديد، ما دفعه لإعطاء موافقته عليه بشكلٍ سريعٍ، رغم أنّ الخبراء الانتخابيين يصنّفونه ضمن خانة المتضرّرين، مقارنةً بوضعه في ظلّ القانون النافذ، أي قانون الستين.

وفي حين تتربّع “القوات اللبنانية” على صدارة “المنتصرين” بعدما صوّرت نفسها “المُنقِذ” من الأزمة التي كان لبنان بصددها، فإنّ “التيار الوطني الحر” هو أيضًا من الرابحين، وإن بقي “يناور”، وفق توصيف البعض، حتى اللحظة الأخيرة لتحقيق المزيد من المكاسب، خصوصًا في الساحة المسيحية، باعتبار أنّ “التيار” كان ولا يزال يعتقد أنّ إقرار قانون الانتخاب، أياً كانت نتائجه، هو نقطة بيضاء ناصعة تُسجَّل لصالح العهد، غير القابل في هذه المرحلة لأيّ “هزّة” أو “انتكاسة”، لن يكون مستبعداً أن تخضّه بالكامل.

مغلوبٌ واحد…

الكلّ غالب ولا مغلوب. هكذا تبدو الصورة الوردية ظاهرياً للواقع الانتخابي، في ضوء التفاؤل المفرط الذي ظهر على الساحة خلال الساعات الماضية.

وبغضّ النظر عمّا إذا كان هذا التفاؤل واقعياً أم مبالَغًا به، وما إذا كانت التفاصيل، التي تكمن فيها الشياطين، ستحرق “الطبخة” عن بكرة أبيها، فإنّ “الانتصار” الذي يهلّل له السياسيون يرسم الكثير من علامات الاستفهام.

هم يهلّلون ويحتفون بنسبيّةٍ تُطبَّق لأول مرة في تاريخ لبنان، ولكن، هل سأل الشعب نفسه، هل هذه هي النسبيّة التي تصحّح فعلاً التمثيل، أم هي النسبية التي يواصل من خلالها قادته “خداعه” لاحتكار مقاعدهم، وجعلها عصيّة على الاختراق؟ وبالتالي، هل يكون الشعب هو المغلوب الوحيد، على جري العادة، وسط هذه المعمعة؟!