اختبأت أسراره في أمكنة لا يصل اليها الناس… الدلائل تكشف اليوم بين البترون والهرمل

13762 مشاهدات Leave a comment

حصل كلّ ذلك في القرن الثاني ميلادياً، يوم استخدم الرومان الصخور كلافتاتٍ لحماية أشجار #الأرز في لبنانوتحصينها من مجازر بيئيّة تحوّل الأحراج الى جرود قاحلة. كانوا يكتبون عليها في عهد الامبراطور هادريان، عباراتٍ رومانيّة مفادها أنه يمنع منعاً باتاً قطع أربعة أنواعٍ من الأشجار، هي على التوالي: “الأرز، اللزاب، الشوح والسنديان”. وكان هادريان آنذاك يعتبر الأرز ملكاً للامبراطوريّة. وهو يجد في شموخ الأرزة ونضرتها تعبيراً صريحاً عن عظمة شخصه وقوّة نفوذه. هي رمزٌ من رموز شخصيّته المليئة بالعنفوان وسرٌّ من أسرارها. اندثرت الامبراطورية الرومانية فجأة، وتركت خلفها عبق الماضي مستحضراً ذكراها. والدلائل التي اختبأت في أمكنة لا يصل اليها الناس بسهولة، تكشف اليوم من خلال علماء الآثار. الحجارة والمنحوتات والزخرفات. كلّها باقية. صلابة تجاعيد نقوشها أقوى من غفلة الأزمان. لكنها لم تعد تستطع الدفاع عن قضيّتها. زخرفات الصخور الرومانية التي كانت تمنع قطع شجر الأرز منذ ألفي عام، صارت في غالبيّتها قابعة في جردٍ قاحل لا شجر فيه. هي وحدها العنصر الشاهد على ما كان. حين تتسمّر أمامها، تتلخبط في مشاعرك. هل عليك أن تفرح لأن تاريخ هويّة لبنان الذي جسّدته الأرزة في منتصف العلم، أعرق من العراقة؟ أم عليك أن تحزن، لأن واقع ممثّل العراقة اليوم حرجٌ للغاية؟ هل عليك أن تصطحب السياح من أقطاب العالم في رحلة مشي الى جبال لبنان وتقول لهم “أنظروا… هنا كان هاريان يوقّع نقوشات مجده؟” وإذا ما سألوك عن غياب الغابات التي كان يتفاخر الامبراطور بها، ماذا عساك تقول؟ لعلّ الصخرة المزخرفة نفسها تائهة، بين دمعة فرحٍ تجسّد الماضي، ودمعة حزنٍ تحاكي واقع الأيام الآتية.

250 منحوتة مكتوبة باللاتينية
بعيداً من النوستالجيا، واذا ما قاربنا أهمية النقوش والرموز الموجودة على الصخور التي كانت تشكّل رادعاً لقطع أشجار الأرز، نجد في أنها تحمل في طياتها أهمية سياحيّة وتاريخيّة على حدٍّ سواء، خصوصاً أنها لا تتواجد سوى على الأراضي اللبنانية ما يجعلها محطّ أنظار علماء الآثار والباحثين في شؤون الحضارات. عالمة الآثار زينة حدّاد، كانت من الباحثات القليلات اللواتي ساهمن في الاهتمام بهذه المنقوشات وتبيان اهميتها الى الرأي العام الى جانب الدكتور هاني عبد النور الذي ساهم في اكتشاف العديد منها ووثقها. تروي حدّاد في حديثٍ لـ”النهار” تفاصيل تلك النصوص المنحوتة وميزتها الفريدة لبنانيّاً: “هي عبارة عن نصوص منحوتة على الصخور تعود الى القرن الثاني ميلادياً. عبر العهود توالت عمليّات قطع الأشجار من أجل بناء السفن والمقتنيات التجاريّة، وأصبحت اشجار الأرز تتضاءل بوتيرةٍ سريعةٍ جدّاً. تيقّظ الامبراطور هادريان الى المسألة فأصدر قراراً بمنع قطع الأشجار المعمّرة والشامخة وفي طليعتها شجرة الأرز. وهو اعتبرها ملكاً له واحتكرها لأغراضه الخاصّة”.

وحول مكان وجودهم في لبنان بعد مضي أحوالي الفي سنة تقول: “نجدهم منحوتين على كعب او في اعلى الصخور انتقالاً من شمال بيروت حتى أقاصي الهرمل، ولكن لم نجد شيئاً جنوب بيروت حتى الآن. وقد وجدنا حتى الساعة 250 منحوتة، مكتوبة باللاتينية وهي عبارة عن ملخّص كلمات وعبارات معيّنة مختصرة مفادها منع التعرّض للثروة الحرجية”. المفارقة التي تطرحها حدّاد، تكمن في أن عمليّة ايجاد هذه النقوشات ليست سهلة، بل انها بحاجة الى توثيق شامل، وتشييد رحلات مشي في الطبيعة مع أناس متخصّصين على طول الجبل اللبناني. نسألها: “الى أي مدى تخدم هذه النقوشات السياحة في لبنان؟”. تجيب: “حين نتكلم عن مسارات سياحية جديدة في الطبيعة تكون هذه المعالم في الواجهة، خصوصاً في حال تحدّثنا عن الثروات الطبيعية الثقافية والحضارية، والمعالم التاريخية عبر القرون الغابرة. أما علمياً فهي تفيد عن مستوى انتشار الغابات اللبنانية وحدودها وترمز الى عدد الثروة الحرجية المعمّرة التي كان يتغنى بها لبنان في القدم. البعض يخالها دلالة للكنوز، لكن ذلك غير منطقي”.

استخدم الرومان الصخور كلافتاتٍ لحماية أشجار الأرز في لبنان1

الوثائق المضمونة طريق نحو وثائق جديدة
اضافةً الى الأهمية الأثرية، تتمتع النقوشات الرومانية الحجرية ببعد تاريخي يظهر مساحات الثروة الحرجية في القدم. اما غاية المقاربة التاريخية فتكمن في المحافظة على #الغابات الحرجية الموجودة اليوم. وتبقى النقطة الأهمن أرشفة وتوثيق هذه النقوش واعلام المديرية العامة للآثار بأماكن تواجد نقوشات اضافية. أما هاني عبد النور، فذكر في دراسته العلمية التي صاغها باللغة الفرنسية استنتاجاً تطرّق خلاله الى فحوى هذه النقوش الأثرية، وحصل ذلك قبل رحيله عن العالم المحسوس. وجاء في الاستنتاج الذي صاغه باللغة الفرنسيّة: “لا تزال العديد من النقوش الحرجية الخاصة بالامبراطور هادريان، قيد الاكتشاف. وأشير الى وجودها في منطقتي#البترون و #الهرمل خصوصاً. المستكشفون الكارستيون والمستغورون، هم الأكثر تأهيلاً لاستكمال عملية التوثيق. بيد أن مهمتهم لا تقتصر على تحديد مواقع النقوش على الخريطة، بل بتنفيذ وثائقي مصوّر والشروع في وضع السلطات المحلية عند مهماتها. ونحن ننصح في الوقت نفسه، بعدم اهمال المستندات التي وُثّقت من خلال بريتون، بغية التأكّد من المعلومات والحصول عليها كاملة”. هذا ويذكر أن عبد النور كان قد صوّر الى جانب زينة حدّاد وكريستيان أخرس، لقطات لفيلم وثائقي عن هذه النقوش الحرجية، بيد ان كلفة الانتاج باهظة الثمن أيضاً وتحتاج الى مساهمين ومموّلين لاستكمال الفيلم.

عامٌ بعد عام، تتكشف ملامح أثريّة لبنانية جديدة كانت مخنبئة في أدراج التاريخ وحكاياته الغابرة. لو أن هادريان يعي أن الثروة الخضراء التي لطالما كانت شغله الشاغل، تندثر عشوائياً اليوم في وطن الأرز، لحوّل الأحرف والرموز الرومانية الى عربية، ونقشها على الصخور نفسها علّ الناس تقرأ وتتعظ. أو لعلّه لما نحت تطلعاته من الاساس على صخورٍ منيعة، لو أنه علم أن أوامره ستعصى بعد رحيله، وأن ما كان يتفاخر فيه كإمبراطور أضحى محض سراب في جردٍ ناءٍ لا شجرة معمّرة فيه، ولا نسمة هواءٍ عليل، سوى غبار كسّارة.

المصدر: “النهار”

مجد بو مجاهد