مرّة جديدة تحدّث البطريرك الماروني، مار بشاره بطرس الراعي، بشكل علني وواضح وصريح، عمّا يُخالج قلوب مئات آلاف اللبنانيّين، مُتناولًا ملفّات شائكة وحسّاسة، وفي طليعتها ملفّ اللاجئين السوريّين والفلسطينيّين. ومرّة جديدة جاءت الردود مُجتزئة لكلامه ومُحوّرة لمطالبه، ومُختبئة خلف تُهم بالعنصريّة والتمييز، ومتخفّية بثياب الحملان وبأدوار الضحايا، في محاولة للتنكّر لشكوى عارمة في أوساط اللبنانيّين، وكذلك للتهرّب من العمل على حلّ هذه المُشكلة الآخذة بالتفاقم. فهل فعلاً حمل كلام البطريرك الراعي ظلمًا للفلسطينيّين وللاجئين عُمومًا، ليستحقّ التهجّم الكلامي عليه؟.

في حديث له لإحدى محطّات التلفزة أبدى البطريرك الراعي قلقه على لبنان بسبب الصراعات في المنطقة والحرب في سوريا، مُشيرًا إلى أنّ اللاجئين السوريّين والفلسطينيّين صاروا أكثر من نصف الشعب اللبناني، ومتسائلاً: “ماذا سيبقى من لبنان”؟. وإذ شدّد على ضرورة وقف الحرب في سوريا والعراق، دعا إلى عودة اللاجئين إلى بلدانهم، مؤكّدًا أنّ “هذا حقّهم”. وردًّا على سؤال، ذكّر البطريرك الماروني بأنّ الفلسطينيّين واجهواالجيش اللبنانيوصنعوا الحرب في لبنان في العام 1975، وبأنّ اللبنانيّين دفعوا ثمن ذلك، حربًا أهليّة. وبالتالي إنّ البطريرك الماروني لم يُهاجم “الضحيّة” بدلاً من “الجلاد” كما حاولت بعض الردود العشوائيّة التسويق له، ولم يُقصّر أيضًا في مُطالبة المسؤولين عن مشاكل دول المنطقة بالتحرّك كما حاولت بعض التصاريح الإنفعاليّة التسويق له، حيث أنّ مواقف البطريركيّة المارونيّة، والبطريرك الراعي بالتحديد، من القضيّة الفلسطينيّة واضحة وساطعة. وللتذكير إنّ البطريرك الراعي تلقّى في 24 شباط الماضي إتصالاً من الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس الذي أثنى على “مواقف الراعي الداعمة للقضيّة الفلسطينيّة ولحقّ عودة اللاجئين الفلسطينيّين إلى أرضهم ووطنهم”. ولا يُفوّت البطريرك الماروني مُناسبة لقاء أيّ مسؤول دولي، إلا ويُطالب بضرورة العمل على وقف الحروب في المنطقة وإعادة اللاجئين. وعلى سبيل المثال لا الحصر، عندما إلتقى البطريرك الراعي وزير خارجية كندا، ستيفان ديون، في بكركي منذ بضعة أشهر، شدّد على “دور الأسرة الدَوليّة ومن ضمنها كندا، في إيقاف الحروب الدائرة في المنطقة وحلّ القضيّة الفلسطينيّة، وإرساء سلام وإستقرار دائمين في الشرق الأوسط، من أجل أن تعيش شعوبه حياة كريمة وآمنة، وهذا حقّ لها”… ومن الأمثلة على مواقف البطريرك الراعي العلنيّة أيضًا، قوله منذ بضعة أشهر خلال قداس أقيم في بازيليك “القلب الأقدس” في مدينة مرسيليا الفرنسيّة: “نُصلّي من أجل أن تتوقف الحروب والأزمات في سوريا واليمن وليبيا والعراق وفلسطين، ومن أجل إيجاد الحلول السياسيّة لقضايا المنطقة… ونطالب المُجتمع الدَولي بإيجاد الحلول لمُشكلة المُهجّرين بفعل هذه الحروب”.

وبالعودة إلى كلام البطريرك الراعي الأخير، فهو بمثابة وضع الأصبع على جرح نازف، حيث أنّ مُشكلة اللاجئين الفلسطينيّين والسوريّين باتت تُشكّل حملاً ثقيلاً يرزح تحته لبنان واللبنانيّين، في ظلّ لا مُبالاة من كثير من الأطراف المعنيّة بشكل مُباشر. فإذا كان صحيحًا أنّ أجيالاً كاملة من الفلسطينيّين والسوريّين تركوا أرضهم رغمًا عنهم، وهُجّروا منها ظُلمًا وتعسّفًا، ودفعوا وما زالوا يدفعون ثمن الهجرة واللجوء والغربة بعيدًا عن بيوتهم وبلداتهم وأوطانهم، فإنّ الأصحّ أنّ الكثير من الفلسطينيّين والسوريّين إستغلوا حسن ضيافة لبنان واللبنانيّين لهم، وعاثوا فسادًا في لبنان، حيث إلتحقوا بمشاريع خارجيّة، وشكّلوا “خلايا إرهابيّة” وتنظيمات مُسلّحة تتحدّى الدولة اللبنانيّة وتُرهب اللبنانيّين.

فهل يُعقل أن تبقى المخيّمات الفلسطينيّة بعد أكثر من ربع قرن على إنتهاء الحرب في لبنان، مرتعًا للمُجرمين والمطلوبين بمُذكرات قضائيّة، ومخبأ آمنًا للخلايا الإرهابيّة التي تُحضّر لضرب الإستقرار اللبناني، وبؤرًا لعصابات الخطف والقتل والسرقة وتجارة السلاح والمُخدرات؟. وهل ما حصل منذ أيّام إن في “عين الحلوة” أو في “برج البراجنة” هو عمل مُقاوم يُبرّر بقاء السلاح الفلسطيني المُتفلّت، خاصة وأنّ كل الوقائع الميدانيّة على مدى عُقود أثبتت أنّ أيّ بُندقيّة فلسطينيّة خارج الأراضي المُحتلّة تخدم الكيان الإسرائيلي ولا تُهدّده، وتُضرّ بالقضيّة الفلسطينيّة ولا تُفيدها؟ و

هل يُعقل أن يبقى اللاجئ الفلسطيني والسوري مصدر تهديد للبنانيّين، ومُزاحمًا غير شرعي لهم في لقمة عيشهم من دون رقيب أو حسيب؟

وفي ما خصّ مسؤولية الفلسطينيّين في الحرب اللبنانيّة، فإنّ الوقت ليس لتُنكَأ الجراح، لكنّ كلمة حقّ تُقال إنّ الوقائع التاريخيّة بمحاولة الفلسطينيّين السيطرة على لبنان بقوّة السلاح لا يُمكن طمرها، ومُشاركة الفلسطينيّين في عشرات المجازر التي وقعت على الأراضي اللبنانيّة مُوثّقة ولا تزال محفوظة في ذاكرة الكثيرين. والحديث عن إنقسام وعن مُشاركة بعض اللبنانيّين إلى جانب الفلسطينيّين في هذه الحرب، لأسباب سياسيّة وطائفيّة مُختلفة، لا يُعفي الدور الفلسطيني الذي شكّل بسلاحه العشوائي والمُتفلّت عاملاً أساسيًا في تفجّر الحرب، الأمر الذي دفع أطرافًا أخرى إلى حمل السلاح أيضًا لمُواجهة الإنفلاش الفلسطيني المُسلّح، يوم صار شعار “طريق القُدس يمرّ في جونيه” هو المُسيطر على عقول بعض القادة الفلسطينيّين.

في الخلاصة، إنّ إجتزاء كلام البطريرك الراعي وإتهامه بقول “لا إله…” من دون الإشارة إلى باقي مواقفه التي تُكمّل عبارة “… إلا الله” هو مُحاولة خبيثة للتعمية على الحقيقة! ولعب دور الضحيّة في كل مرّة يُطالب بها الفلسطينيّون بتسليم سلاح الشَغَب الذي يُهدّد أمن لبنان وإستقراره لم يعد ينطلي على أحد. كما أنّ الحديث عن واجب ولياقة الضيافة المطلوب من اللبنانيّين، يستوجب بالمُقابل أن يكون الضيف مُسالمًا ومُؤدبًا وخفيف الظلّ إلى حين إنتهاء زيارته القسريّة، لا أن يُصبح مُتحديًا لإرادة المُضيف ومصدر تهديد له، وغير راغب حتى بالسعي الجدّي للعودة إلى وطنه.

ولكل هذه الأسباب، لا يسعنا سوى شكر البطريرك الراعي على قوله كلمة الحقّ مرّة جديدة، في زمن كثر فيه مُحوّرو التصاريح، ومُزوّرو الحقائق والوقائع التاريخيّة، ولابسو ثياب الحملان، ولا يسعنا أيضًا سوى الشدّ على يد البطريرك لحمله بكل شجاعة وشفافيّة مطالب مئات الآلاف من اللبنانيّين في الوقت الذي تخاذل ويتخاذل الكثير من المسؤولين عن تناولها، إمّا حفاظًا على مصالح ضيّقة في بعض الحالات، أو خوفًا وجُبنًا في حالات أخرى!