انفجار الحالات لبنان في زمن الكوليرا
Connect with us
[adrotate group="1"]

أخبار مباشرة

ترنّح بنية الصرف الصحي وتفلّت الحدود يهدّدان بانفجار الحالات لبنان في زمن الكوليرا: لِصَبر الطبيعة حدود…

P.A.J.S.S.

Published

on

كارين عبد النور

شهد العام 1993 ثبوت آخر إصابة بالكوليرا في لبنان. العقود الثلاثة، بالمعايير التقليدية، هي زمن سحيق لما تخلّلتها من أحداث، صحية أم خلاف ذلك، أنستنا الكوليرا تحديداً. كيف لا وكابوس كورونا كان آخرها. خلنا أنها، أي الكوليرا، ذهبت من هنا إلى غير رجعة. لكنّ تباعد الأزمنة لا يمنع تكرار أحداثها، وها هي تُطلّ برأسها من جديد.

أصل كلمة «كوليرا» يوناني وهي تعني تدفّق الصفراء (وهو سائل يساعد الجسم في عملية الهضم). المرض ضارب في القِدَم، وثمة من يقول إن أبقراط أتى على ذكره في كتاباته. انتشر على مستوى العالم في القرن التاسع عشر وحصد أرواحاً بالملايين منذ حينه. وهو لا يزال يصيب ما يزيد عن 4 ملايين شخص ويتسبّب بوفيات تصل إلى حدود 150 ألفاً سنوياً.

لكن إلى لبنان نعود. الأخبار الآتية من عكار تدعو للحذر: 15 إصابة مؤكّدة منذ منتصف الأسبوع الماضي والترجيحات أن الرقم الحقيقي أعلى. هذا يفتح المجال أمام سيل من الأسئلة: لِمَ لا تقوم مؤسسات المياه بنشر نتائج تحاليل المياه لديها؟ أين وزارة الداخلية والبلديات من فحص مياه الصهاريج، وأين أجهزة الرقابة المختلفة على المياه المستعملة لري المزروعات في عكار، الساحل، البقاع والجنوب؟ أليست كلّها، أو بمعظمها، ملوّثة بمياه الصرف الصحي، كما يتخوّف كثيرون؟ أسئلة تُطرح منذ شهور لا بل سنوات. مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية وحدها، مثلاً، سبق ووجّهت عشرات الكتب إلى وزارتي الداخلية والصحة طلباً لفحص المياه. لم يحصل الشيء الكثير، سوى الوصول إلى حافة محظور جديد.

لا حياة لِمَن تنادي

يقول مدير مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية، الدكتور ميشال افرام، لـ»نداء الوطن» إن المصلحة تقوم منذ العام 2000 بنشر تقارير عن تلوّث المياه في كافة المناطق اللبنانية ومدى تأثير ذلك على صحة الإنسان. تقارير المصلحة تلك أُرسلت إلى مختلف المسؤولين والأحزاب، لكنّ التجاهل غالباً ما كان سيّد الموقف. ويضيف افرام: «كنّا نحذّر من أنّ المياه ملوّثة بالمجاري كما أنّها تحتوي على معادن ثقيلة ومواد كيميائية، ما سيؤدّي حتماً إلى حالات تسمّم والتهاب الكبد الفيروسي (اليرقان) وكوليرا وغيرها. وقد تبيّن في آخر تقرير نُشر رسمياً عام 2019 قبيل جائحة كورونا أن 90% من مياه لبنان ملوّثة بالفعل. وفي أيار الماضي أصدرنا بياناً أكّدنا فيه أن تلوّث المياه في طرابلس هو وراء حالات اليرقان التي شهدناها».

التعتيم على التحذيرات حول وجود الملوّثات الجرثومية ومعاكسة نتائج تحاليل تلوّث المياه هما السبب في ما وصلنا إليه، بحسب افرام. لكن دعونا نعود أكثر من عقدين من الزمن إلى الوراء. ففي أحد اجتماعات لجنة الأشغال العامة والنقل والطاقة سنة 2000، ذكر رئيس اللجنة، النائب السابق محمّد قباني، أن 21% فقط من مياه الشرب التي تصل إلى منازل اللبنانيين نظيفة، والباقي ملوّث. يومها جرى التكتّم على الموضوع لعدم إثارة الرعب بين المواطنين، حسبما قيل. وهذا مجرّد مثال يحيلنا على مجموعة أخرى من الأسئلة: إذا كانت المياه نظيفة كما يصوَّر لنا، لِمَ يتكرّر انتشار الأمراض والأوبئة؟ في أي مختبرات يتم فحص المياه؟ وهل هي معترف بها؟ ثم لِمَ الاختلاف في النتائج عن باقي المختبرات التابعة للدولة؟ وهل ثمة فحوصات يومية تجري، ومن ضمنها في نهاية كل خط (أي في المنازل تحديداً)، للتأكّد من عدم تداخل مياه المجاري على الشبكة؟ لا ننتظر إجابات في هذه العجالة. فلنُكمل.

العدوى والأعراض

أخصائية الطب الداخلي والأمراض المعدية والجرثومية، الدكتورة منى جرادة، تذكّر بداية في اتصال مع «نداء الوطن» أنّنا أمام حالة شديدة العدوى تتسبّب بإسهال مائي حاد وتنجم عن تناول الأطعمة أو شرب المياه الملوّثة ببكتيريا الكوليرا. فترة الحضانة تتراوح بين ساعات عدّة وخمسة أيام قبل أن تبدأ الأعراض بالظهور. نسأل عن الأخيرة، فتجيب جرادة: «هناك مرضى يصابون من دون أن تظهر عليهم أي أعراض فيحملون البكتيريا ويقومون بنقلها خلال فترة تمتدّ من يوم إلى 10 أيام. أما معظم المصابين، فتظهر عليهم أعراض خفيفة أو معتدلة من الإسهال والتقيؤ. في حين أن أقلية تعاني إسهالاً مائياً حاداً فيكون البراز شبيهاً بماء الأرزّ الذي يتسبّب بجفاف شديد وقد يؤدّي إلى الوفاة في حال عدم المعالجة. والحال أن المصاب يشكو من العطش وتتقلّص مرونة الجلد لديه إضافة إلى بروز حالة من ضعف عام في الجسم. وغالباً ما لا تترافق هذه الأعراض مع ارتفاع درجة حرارة المصاب».

إليكم كيف تنتقل العدوى: عن طريق براز فموي عبر استهلاك المياه أو الأغذية والأطعمة النيّئة كالخضار والفاكهة الملوّثة، كما من خلال الأيادي الملوّثة والأطعمة غير المطبوخة بطريقة جيّدة. وفي حين أن الكوليرا تصيب صغار السن والبالغين بالطريقة نفسها، لكن الأطفال والمسنّين ومن يعانون نقصاً في المناعة هم الأكثر عرضة للإصابة ولتدهور الحالة. في هذا الإطار تناشد جرادة: «يجب نقل الشخص المشتبه في إصابته أو الحالة المؤكدة إلى أقرب مركز صحي أو طلب استشارة طبية طارئة، وذلك من أجل التشخيص أو العلاج واتّباع إرشادات سُبُل مكافحة العدوى. العلاج متوفّر في المراكز الطبية وقوامه بشكل رئيسي الأمصال لتعويض السوائل والمعادن الضرورية التي فقدها الجسم، وفي بعض الأحيان المضادات الحيوية».

الإرشادات تعني الجميع

كذلك، لا بدّ من التنبّه إلى أن الإرشادات لا تستهدف المريض فقط إنّما – وبالقدر ذاته من الأهمية – المحيطين به أيضاً، وأهمّها: تنظيف المراحيض والأسطح الملوّثة من إفرازات المريض وتعقيمها بالكلور؛ تأكّد أفراد العائلة من نظافة المياه التي يشربونها وطهي الخضار جيّداً وتجنّب تناولها نيّئة؛ غسل الأيدي بالماء والصابون لا سيما بعد الاحتكاك بالمريض؛ تنظيف غرفة المريض بشكل دائم واستخدام مواد معقّمة لغسل ثيابه؛ استخدام أكياس مزدوجة لرمي النفايات الناتجة عن استخدام المريض؛ ارتداء القفّازات؛ عدم استقبال الزوار؛ عدم إرسال طعام من البيت الذي توجد فيه إصابة؛ ومنع المصاب من ممارسة السباحة قبل مرور أسبوعين على مرضه.

نسأل عمّا إذا كان اللقاح متوفّراً، فتشير جرادة إلى أنه غير مدرج في روزنامة اللقاحات التي تُعطى للأطفال في لبنان. ورغم أن هناك العديد من اللقاحات العالمية ضد الكوليرا غير أنها متوافرة بكميات قليلة في لبنان، وهو ما تعمل وزارة الصحة على تعزيزه حالياً. «في حال وصلنا إلى مرحلة التفشي الوبائي للمرض سيتمّ اللجوء إلى إعطاء اللقاح. لكن علينا أن ننتظر لنرى لمن ستُمنح الأولوية تماشياً مع إمكانية الحصول عليه»، من وجهة نظرها.

الصرف الصحي… متعثّر

أين وزارة البيئة من تطوّرات الأيام الأخيرة؟ الوزير ناصر ياسين أوضح في دردشة مع «نداء الوطن» أن وزارته تقوم دوماً بمتابعة موضوع الصرف الصحي، على غرار ما حصل في عرسال قبل ظهور حالات الكوليرا في عكار، رغم أن المعالجة الأساسية تبقى بِيَد وزارة الصحة. وشدّد ياسين على ضرورة معالجة المياه الصادرة عن مخيّمات النازحين خاصة أن ذلك توقّف لفترة. وأكمل: «نتابع مع وزارة الطاقة والمياه ومؤسسات المياه التي تُعتبر المسؤول المباشر عن إدارة مراكز ومحطات الصرف الصحي لتشغيلها لا سيما أن الكثير منها متعثّر، ما يؤدّي إلى انتهاء الأمر بالملوّثات في الأنهار أو الوديان أو البحر». وإذ أكّد أن وزارة البيئة تقوم بإجراءات الوقاية الأولية لناحية منع التلوّث في مصادر المياه، لفت ياسين إلى انتشاره في كافة المناطق اللبنانية واصفاً عدم معالجة ملف الصرف الصحي بالمشكلة المتمادية التي يجب إيجاد حلّ سريع لها.

… والمعابر غير مضبوطة

وإذ إن المعالجة الأساسية منوطة بوزارة الصحة، نتوجّه إلى الوزير، الدكتور فراس الأبيض، الذي أعاد التأكيد في حديث لـ»نداء الوطن» أن عدوى الكوليرا مرتبطة بشكل مباشر بموضوع الصرف الصحي، وعليه يشكّل التأكّد من صحة المياه التي يستخدمها المواطن نقطة البداية: «هذه واحدة من الأمور التي نتساعد فيها مع البلديات لأن موضوع المياه والصرف الصحي ليس مسؤولية وزارة الصحة وحسب إنما وزارة الطاقة والمياه أيضاً، في حين يجب على وزارتي البيئة والزراعة القيام بدورهما على هذا الصعيد».

الأبيض اعتبر أن الوزارة على أتمّ الاستعداد من خلال الكشف المبكر والترصّد لمعرفة مصدر الإصابات ومعالجتها تفادياً لانتشار العدوى في المجتمع. أضف إلى ذلك فحوصات المياه التي تقوم بها في مختبرات المستشفيات الحكومية والجامعية. وذكّر بحرصه على تأمين كميات كافية من الأمصال والأدوية والمضادات الحيوية، وتوفير الأماكن في المستشفيات لمعالجة الإصابات في حال ازديادها، خاصة أن تصاعداً في الأعداد متوقّع كون عدوى الكوليرا سريعة الانتشار.

تحديد مصدر الإصابة الأولى خطوة أولى في رحلة الألف ميل. فهل جرى ذلك أو تم التأكّد إن هي جاءت من خلف الحدود اللبنانية – السورية، خاصة أن عدد الإصابات في سوريا تخطّى الـ500 مع تسجيل 39 حالة وفاة حتى يوم الجمعة الماضي؟ «إلى الآن ما زلنا نقوم بالفحوصات والترصّد وحين تأتينا النتائج يمكننا تحديد المصدر بشكل أكثر دقة. المشكلة أن ثمة معابر رسمية وأخرى غير رسمية حيث يتنقّل الكثير من النازحين للاستفادة من مساعدة منظمات الأمم المتحدة. ليس من السهل السيطرة على تلك المعابر وهي مصدر معاناة لبنانية متواصلة»، بحسب الأبيض.

الوزارة تعمل بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية على تأمين مخزون كافٍ من الأدوية علماً أن معظم حالات الكوليرا لا تحتاج إلى مضادات حيوية. ويحصل ذلك توازياً مع أخذ الاحتياطات اللازمة وتجهيز المستشفيات التي ما زالت تملك قدراً من الجهوزية إثر جائحة كورونا. وفي الختام رسالة من الأبيض إلى اللبنانيين ناشدهم فيها بضرورة الالتزام بالوقاية، واتباع الإرشادات التي تصدرها وزارة الصحة عن سُبُل الحماية وكيفية غسل الخضار وتنظيفها وتعقيم مياه الشفة بواسطة وسائل تقوم كل من الوزارة واليونيسيف بتوزيعها على المواطنين لاستخدامها لهذا الغرض.

طمأنة ودعوة للتوقّي

الصيادلة أيضاً مستعدّون. فقد شدّد النقيب، الدكتور جو سلوم، لـ»نداء الوطن» على أنّ للكوليرا شقّين أساسيين يرتكزان على الوقاية أولاً والعلاج ثانياً. العلاج قائم بشكل رئيس على منع جفاف الجسم لأن مكمن الخطورة ينطلق من هناك. ونوّه بأن الصيادلة متواجدون لتقديم الإرشادات الوقائية أولاً والعلاجية للمصابين تالياً، والتوجيه إلى الأطباء والمستشفيات المختصة في حال تفاقم الحالة. «كما كان الصيادلة إلى جانب المريض وفي الخطوط الأمامية طوال أزمة كورونا، يوجد اليوم أيضاً 3400 صيدلية موزّعة على كافة الأراضي اللبنانية ومستعدة لتقديم المساعدة والأدوية المناسبة للعلاج». وحثّ سلوم المصابين على عزل أنفسهم حفاظاً على سلامة الآخرين لأن عدم نقل العدوى هو من أبرز أساليب الوقاية. كما دعا اللبنانيين إلى عدم القلق مطمئناً إيّاهم إلى أن العلاج متوفر والطرق الآيلة إلى عدم انتشار العدوى سهلة جداً، خاصة في ظل التعاون المستمر مع وزارة الصحة. وختم قائلاً إن الأدوية المستخدمة في العلاج غير مرتفعة الثمن وتُقدَّم مجاناً في مراكز الرعاية الصحية.

نداء الوطن

Continue Reading
Click to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.

*

code

أخبار مباشرة

مكافحة كارتيلات المخدّرات منذ عدّة أشهر مصادرة ما قيمته نحو 600 مليون دولار من المخدّرات

P.A.J.S.S.

Published

on

ملاك عقيل – أساس ميديا

بموازاة الفوضى “الشغّالة” والمرجّح أن تتمدّد بفعل استعصاء الحلول السياسية، تحافظ الأجهزة الأمنيّة على قدرة “سيطرتها على الأرض”، وتحديداً على ثلاث جبهات: مكافحة الإرهاب، كشف المتعاملين مع إسرائيل وشبكات التجسّس، ومكافحة الجرائم الجنائية وعلى رأسها تجارة المخدّرات استيراداً وتصديراً والقتل والسلب بقوّة السلاح والسرقة والخطف مقابل الفدية…

لم يكن مقتل الشابّ إيلي متّى في جريمة دنيئة لا حدود لفظاعتها وقساوتها سوى مؤشّر إضافي إلى مدى تفلّت الوضع الأمنيّ وإمكانية ازدياده سوءاً.

أداء أمنيّ سريع

خلال ساعات قليلة تمكّنت مخابرات الجيش من إلقاء القبض على القاتل وشريكه، وهما من الجنسية السورية، فيما ينشط الجيش بشكل لافت على مستوى توقيف أفراد من “داعش” وملاحقة مافيات تصنيع وترويج وتهريب المخدّرات.

القبضة الأمنيّة للجيش والمخابرات واضحة، لكنّ الأمن العسكري، كما باقي الأجهزة الأمنيّة، “شغّال” أيضاً لمكافحة تورّط عسكريين في ارتكابات جنائية أو جنح. وتفيد معلومات “أساس” في هذا السياق عن فرض عقوبات مسلكية بحق ضبّاط وعسكريين أخيراً بتهمة تسهيل التهريب على الحدود.

في المقابل لا يمرّ يوم لا يصدر فيه بيان عن “شعبة المعلومات” عن توقيف متورّطين ومرتكبين في أعمال جنائية، مع تسجيل “خبطات” أمنيّة على مستوى مكافحة التجسّس تطال أيضاً عناصر سابقين في حزب الله تمكّن “الموساد” الإسرائيلي من تجنيدهم، إضافة إلى الملفّ الكبير المفتوح الذي تعمل عليه “الشعبة” منذ أشهر في “نافعة” الأوزاعي والدكوانة والذي سيتمدّد وفق المعلومات إلى باقي المناطق، ويُنتظر فتح ملفّ الدوائر العقارية قريباً.

جمهوريّة وديع الشيخ وعالم البيزنس

حوادث القتل الشنيعة وعمليّات السلب وتجارة المخدّرات والفساد الإداري تزداد بنسبة عالية، وأبشع ما فيها أنّ بعض المتورّطين في جرائم يجدون دوماً من يفتح لهم باب الزنزانة لينطلقوا مجدّداً “في عالم البينزنس” محاولين تكرار ارتكاباتهم بطريقة أكثر حِرَفيّة.

مرّة جديدة يُثبِت بعض أهل السياسة أنّهم في خدمة الخارجين عن الدولة أو “المستقوين” عليها، ويمكن القول إنّنا في “جمهورية وديع الشيخ”.

في أيلول الفائت أوقفت مخابرات الجيش في بعلبك المغنّي وديع الشيخ إثر حادثين: الأوّل بعد دخوله مستشفى الراعي في صيدا مع مجموعة من مرافقيه المسلّحين، ثمّ في اليوم التالي في البقاع حين تعرّض موكبه الخاص لإحدى دوريّات مخابرات الجيش التي كانت تنقل موقوفين، وتبيّن لاحقاً أنّ من ضمن الموجودين في الموكب الشيخ ومحمد دياب إسماعيل المتورّط بعدد من التعدّيات في الضاحية، فتمّ توقيف كلّ من كان في الموكب.

أوقِف الشيخ خمسة أيام بعد إجراء المقتضى القانوني معه وبعدما أبدى كلّ تجاوب، لكن خلال هذه الفترة لم يبقَ أحد في الجمهورية اللبنانية لم يُراجع في وضعه أو يطلب إطلاق سراحه فوراً. هو الـ Business as usual الذي يتقنه السياسيون ويستغلّون من أجله نفوذهم للضغط على القوى الأمنيّة والقضاء لـ “تسهيل أمور” المرتكبين و”المستقوين” على الدولة.

الجيش: التزام بالمهامّ

ثمّة ما يمكن أن يُسجّل لصالح الجيش، وهو أداؤه السريع، وذلك في عزّ الفوضى الأمنيّة واستمرار المنظومة إيّاها في حماية المتورّطين بالاعتداء على أمن الدولة واستقرارها، وبالتزامن مع أسوأ وضع ماليّ معيشي يعيشه العسكر منذ اندلاع انتفاضة 17 تشرين.

لا يتوقّف الأمر على متابعة الجيش لملفّات الإرهاب والقتل ومكافحة التهريب، إذ يلحظ كثيرون تغيّراً كبيراً منذ مدّة في نمط عمل الجيش في مربّع الخارجين عن القانون في بعلبك-الهرمل.

لقد أسفر الضغط المتواصل غير المسبوق من قبل مخابرات الجيش في البقاع حتى الآن عن توقيف عدد كبير من المطلوبين الخطرين المعروفين بالاتّجار بالمخدّرات وترويجها وتصديرها. هو الضغط نفسه الذي دفع المطلوب علي منذر زعيتر (أبو سلّة) إلى الهرب إلى سوريا بعد تطويقه ومحاصرته والتضييق عليه والقيام بعدّة مداهمات لمنزله و”رَبعاته”، مع العلم أنّ هناك نحو 390 مذكّرة توقيف بحقّه.

في آخر جولات محاصرته أسفرت العمليات الأمنية المتكرّرة عن توقيف عدد من مساعديه بعد تحوُّل حيّ الشراونة وعدد من أحياء بعلبك إلى مدينة حرب حقيقية.

النشرة تمنع التدخل السياسي

لا يزال الجيش حتى الآن يركّز عمله على اصطياد الرؤوس الكبيرة من أصحاب السوابق الذين بقوا لعهود بمنأى عن أيّ ملاحقة، مع إفراط مقصود في استخدام القوّة الذي بات السِمة الأبرز في التعامل مع الفارّين من وجه العدالة، إضافة إلى فرض عنصر المفاجأة واستخدام القوات الجوّية خلال العمليات الأمنيّة لتسهيل إجلاء العسكريين في حال الضرورة أو لكشف مسار تحرّك المطلوبين من خلال المراقبة، على الرغم من أنّ ثمّة خشية حقيقية من تمكّن “الطفّار” المسلّحين من استهداف المروحيّات العسكرية وإصابتها بشكل مباشر.

عاود أخيراً بعض المطلوبين نشاطهم بشكل ملحوظ بعد فترة من التواري عن الأنظار و”تخفيف الشغل”، لكنّ الجيش “ما عمّ يعطيهم نَفَس”، حسب تعبير أحد المتابعين للملفّ.

وفق المعلومات، كانت حصيلة مكافحة كارتيلات المخدّرات منذ عدّة أشهر مصادرة ما قيمته نحو 600 مليون دولار من المخدّرات على أنواعها وتفكيك أوكار ومصانع إنتاج الكبتاغون والكوكايين وتوقيف عشرات من المطلوبين الذين كان بعضهم “شغّالاً” على خطّ الضاحية-بعلبك.

تفيد معطيات “أساس” أنّ الغطاء السياسي شبه مرفوع عن جميع هؤلاء، وتحديداً من حزب الله، وإذا حاول الأخير التدخّل ومعرفة “وضع” أيّ من الموقوفين المطلوبين، فإنّ “النشرة” الصادرة بحقّه و”مآثره” في عالم المخدّرات كفيلة بلجم أيّ تدخّل سياسي أو حزبي.

استرجاع مخطوفين

نفّذ الجيش عدّة مداهمات بالوتيرة نفسها من الضغط لاسترجاع مخطوفين مقابل فدية. وحتى يوم أمس كان فرع مخابرات البقاع يداهم أحياء في الشراونة والدار الواسعة في بعلبك للبحث عن الطفلين السوريَّين مهنّد وغالب ماجد عروب اللذين اختطفهما كلّ من عبد الكريم علي وهبه وعلي قاسم وهبه ومحمد قاسم وهبه. والطفلان موجودان حالياً في منطقة جرماش السورية لدى كلّ من ربيع عواضة وناجي فيصل جعفر، ويطالب الخاطفون بمبلغ 350 ألف دولار لتسليمهما.

تجزم أوساط متابعة لملفّ مافيات بعلبك أنّ “المدينة والجوار يشهدان ضغطاً أمنيّاً غير مسبوق وطريقة عمل غير اعتيادية ضيّقت كثيراً على المطلوبين وتجّار المخدّرات”.

ما يجدر فضحه هنا أنّ أحد “وجهاء” منطقة بعلبك وأحد كبار التجّار لا يزال “ينغل” على خطّ “فكّ أسر” موقوفين بحكم مَونَته ليس فقط على العديد من القضاة، بل أيضاً على ضبّاط في أجهزة أمنيّة. وأثبتت التحقيقات تورّط أحد الوزراء السابقين من المنطقة بدعم هؤلاء الخارجين عن القانون في السرّ والعلن.

مكافحة الإرهاب

من جهة أخرى، ينشط الجيش على خطّ كشف الشبكات الإرهابية، وكان آخر إنجازاته في هذا المجال في تشرين الأول حين أوقِف أ. خوجة على خلفيّة انتقاله إلى سوريا بهدف الالتحاق بتنظيم داعش ثمّ عودته خلسة إلى لبنان وقيامه بتجنيد أشخاص لمصلحة التنظيم، لإرسال بعضهم إلى مناطق النزاع، وإعداد البعض الآخر لارتكاب اعتداءات في الداخل اللبناني. وتمكّنت مخابرات الجيش من توقيف المتورّطين معه، وعلى رأسهم المدعوّ ع. الراوي .

سبق ذلك كشف الجيش في أيلول عناصر خليّة إرهابية أُوقفوا في إحدى بلدات البقاع الغربي وضُبطت بحوزتهم أسلحة وذخائر حربية. وقد تبيّن ارتباط أفرادها بأحد التنظيمات الإرهابية، وتنفيذهم رمايات وتدريبات عسكرية في جرود المنطقة، وتخطيطهم لضرب مراكز عسكرية وتبادلهم صوراً جوّيّة لتلك المراكز.

Continue Reading

أخبار مباشرة

قرار لمولوي بشأن “هيئة إدارة السير”… حتى إشعار آخر

P.A.J.S.S.

Published

on

إتخذ وزير الداخلية والبلديات بسام مولوي قرارًا بتكليف محافظ مدينة بيروت القاضي مروان عبود بمهام رئيس مجلس إدارة – مدير عام هيئة إدارة السير والآليات والمركبات، وحتى إشعار آخر، وذلك تأمينًا لإستمرارية سير المرفق العام وإستقراره.
كما كلف العقيد في قوى الأمن الداخلي علي طه بمهام رئيس مصلحة تسجيل السيارات والآليات والمركبات، وحتى إشعار آخر.

Continue Reading

أخبار مباشرة

هل انتصرت سردية الرياض ـ أبوظبي؟

P.A.J.S.S.

Published

on

حسناً فعلت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، بإقرارها أن الغرب أطال قبل أن يفهم «حقيقة بسيطة للغاية، هي أنه عندما كنا نعمل على منع إيران من تطوير أسلحة نووية، كان علينا أيضاً أن نركز على أشكال أخرى من الطائرات المسيّرة إلى الصواريخ الباليستية». فهذا الاعتراف يعد انتصاراً دبلوماسياً وسياسياً واستراتيجياً لمنطق دول الاعتدال العربي، لا سيما السعودية والإمارات، اللتين ثابرتا على مدى سنوات وأكثر، منذ تولي الرئيس جو بايدن الرئاسة الأميركية، على الدفع باتجاه هذا المنطق، بغية الربط بين سياسات إيران التخريبية في المنطقة وبرنامجها النووي، باعتبارهما نسقاً واحداً للسلوك الإيراني المدمر في الشرق الأوسط.
ببساطة شديدة، قالت فون دير لاين في كلمتها، خلال أعمال مؤتمر «حوار المنامة» بنسخته الثامنة عشرة، إن «الطائرات المسيّرة الإيرانية التي استُخدمت في الهجوم على سفينة نفط بخليج عُمان، الأربعاء الماضي، سبق استخدامها في هجوم شنته ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران على أبوظبي في يناير (كانون الثاني) الفائت». وأضافت، أن روسيا «أطلقت هذه الطائرات الإيرانية دون طيار ذاتها مراراً، ضد أهداف مدنية في مدن أوكرانية»، واصفة ذلك بأنه «انتهاكات صارخة للقانون، وجرائم حرب».
لم تكن هذه نقطة التحول الوحيدة في الموقف الغربي، بعد نحو ثلاث سنوات من أسوأ فترات التوتر بين دول الخليج وعواصم غربية، على خلفية اهتزاز عميق للثقة بينها وبين عواصم الخليج الرئيسية؛
ففي السياق نفسه، ومن على منبر «حوار المنامة» أيضاً، كشف منسق مجلس الأمن القومي الأميركي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بريت ماكغورك، عن «تشييد الولايات المتحدة بنية تحتية دفاعية متكاملة لردع التهديدات الوشيكة في منطقة الشرق الأوسط»، مؤكداً أن بلاده نجحت بفضل التعاون الأمني الوثيق مع الرياض في إحباط مخطط هجومي إيراني يستهدف السعودية.
هذا التحول في المواقف والتوصيفات والتحليل واللغة، هو انتصار لسردية ثابرت عليها كل من الرياض وأبوظبي، في مقابل سردية مغايرة، تصدرتها أصوات اليسار الديمقراطي في إدارة الرئيس بايدن، وممن عملوا ويعملون في كنف التحشيد لها في الإعلام ومراكز الأبحاث، وجلهم من مخرجات الحالة «الأوبامية»، التي زادت راديكالية، كرد فعل على رئاسة دونالد ترمب.
لو وسعنا زاوية النظر أكثر، لوجدنا أن النزاع الروسي – الأوكراني، الذي اتُّهمت فيه عواصم الخليج زوراً بالانحياز إلى روسيا، شكّل هدية لها ولسمعتها وموقعها. ببساطة شديدة يمكن القول إن المسيّرات الإيرانية التي تحدثت عنها المفوضية الأوروبية، مُوّلت من عائدات النفط الإيراني، لتكون عنصراً جديداً يضاف إلى ترسانة التخريب الإقليمي والدولي الذي تمارسه إيران من سواحل الإمارات إلى عمق المدن الأوكرانية في قلب أوروبا، في حين أن عائدات النفط الخليجي توظف في سياسات محلية وإقليمية ودولية تراهن على التجسير مع العالم، لا على قصف الجسور فيه، في وقت يعاني فيه هذا العالم ارتفاع معدلات التضخم، ومخاوف من احتمالات الركود الاقتصادي، وسيناريوهات مرعبة حول مآلات البيئة التي تشهد فيضانات وحرائق وموجات تغيير حراري غير مسبوقة.
قدّر صندوق النقد الدولي، قبل اندلاع النزاع الروسي – الأوكراني، أن تضيف دول الشرق الأوسط المصدّرة للطاقة ما يصل إلى 1.3 تريليون دولار في السنوات الأربع المقبلة، مما سيؤدي إلى تحسن في وضع صناديق الثروة السيادية في المنطقة، في وقت تشهد فيه الأصول العالمية عمليات بيع كبيرة تقلل من قيمتها. ومن البديهي أن ترتفع هذه التقديرات نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب في أوكرانيا، مما سيعزز من الوضع المالي للمنطقة، وبخاصة دول الخليج.
مما لا شك فيه أن الأولوية الاستثمارية لهذه العائدات الضخمة تذهب باتجاه برامج التنويع الاقتصادي، وتهيئة دول الخليج لاقتصاد ما بعد النفط، بيد أن هذا التحول الداخلي لا ينفك عن تحولات عالمية موازية في مجال البيئة والطاقة النظيفة، باتت دول الخليج صاحبة دور ريادي فيها.
في هذا السياق، قاد الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، رئيس اللجنة العليا لـ«السعودية الخضراء»، انطلاق النسخة الثانية من قمة «مبادرة الشرق الأوسط الأخضر» يوم 7 نوفمبر (تشرين الثاني)، و«منتدى مبادرة السعودية الخضراء» يومي 11 و12 نوفمبر في مدينة شرم الشيخ المصرية، كنشاط متزامن مع انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة المعنيّ بتغيّر المناخ (COP 27). وقد أعلن الأمير محمد بن سلمان استضافة بلاده مقر «مبادرة الشرق الأوسط الأخضر»، وإسهامها بمبلغ 2.5 مليار دولار دعماً للمبادرة على مدى السنوات العشر المقبلة؛ أي 15 في المائة من مجموع الحجم الاستثماري للمشاريع المستهدفة.
أما الإمارات العربية المتحدة، فوقّعت شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة، على هامش معرض ومؤتمر أبوظبي الدولي للبترول (أديبك 2022)، لاستثمار 100 مليار دولار في تنفيذ مشروعات للطاقة النظيفة تبلغ طاقتها الإنتاجية 100 غيغاواط في كل من الدولتين، ومختلف أنحاء العالم بحلول عام 2035.
يعطي هذان المثالان فكرة عن العقل الذي يدير عائدات النفط في السعودية والإمارات، وهمومه، وصلاته بالعالم، في مقابل الكيفية والوجهة التي تدير بها إيران عائداتها، أو العائدات التي تستحوذ عليها مباشرة أو غير مباشرة من العراق.
وعليه، فإن التحول في الموقف الغربي من التحديات الأمنية المشكو منها خليجياً، الذي بدأتُ الحديث عنه هنا، ليس تحولاً تمليه مسؤوليات التحالف والتآزر فقط، بل هو خيار يقدم أو لا يقدم عليه الغرب بين دول تقدم نماذج مختلفة تماماً من العمل والمسؤولية.
فمن غير المنصف ألا يكون أداء هذه الحكومات وتوجهاتها ومستويات التزامها بالمسؤوليات الدولية، هو المدخل لتعريف العلاقات بها، أو أن يُختزل كل الشرق الأوسط بأنه «سبب للصداع بسبب التنافس المذهبي بين دوله»، بحسب سردية يسارية سطحية جرى تبنّيها أميركياً، وتأثر بها آخرون.
«حوار المنامة» كان مناسبة ألقت الضوء على شيء يتغير في المقاربة الغربية، وإن كانت فجوة الثقة الكبيرة تدعو للتمهل في التفاؤل.

نديم قطيش

Continue Reading
error: Content is protected !!