دعاوى "إعلان المصارف متوقّفة عن الدفع": كوّة في جدار الأزمة أو تعميق لمأزق المودعين؟ النقابات تتمايز والآراء القانونية تتعدّد... وأوّل المدّعين نقابة المحامين - Lebanon news - أخبار لبنان
Connect with us
[adrotate group="1"]

أخبار مباشرة

دعاوى “إعلان المصارف متوقّفة عن الدفع”: كوّة في جدار الأزمة أو تعميق لمأزق المودعين؟ النقابات تتمايز والآراء القانونية تتعدّد… وأوّل المدّعين نقابة المحامين

P.A.J.S.S.

Published

on

كارين عبد النور

نقابة المحامين في بيروت دخلت على خط الجبهة المفتوحة مع المصارف. فقد تقدّمت منتصف الشهر الماضي بدعوى «إعلان المصرف متوقّفاً عن الدفع» ضد مصرف «فرست ناشيونال بنك» بموجب القانون رقم 2/67. كثيرون يرون في تلك الخطوة باكورة حيث إن نقابات أخرى من المفترض أن تحذو حذوها. نقابة المحامين في طرابلس ونقابة الممرّضات والممرّضين، مثلاً، على وشك التقدّم بدعاوى مماثلة خلال أيام. لكنّ نقابتي المهندسين والأطباء أعلنتا عدم رغبتهما في ذلك. فماذا يقول المؤيّدون والرافضون؟

بداية مع القانون 2/67 وحيثيّاته. المتخصّص في أجهزة الرقابة القضائية على المصارف المركزية، المحامي الدكتور باسكال ضاهر، اعتبر في اتصال مع «نداء الوطن» أنه قانون مصرفي ذو فاعلية مهمّة، يسمح لأيّ مودع بأن يقيم دعوى على المصرف أمام المحكمة المختصّة في حين أنّ تطبيقه مناط بالقضاء. ماذا يعني ذلك؟ «هذا يعني أن القانون حمى المصرف كمؤسسة مصرفية من الإفلاس، حمى الوديعة وحمى المؤسسة المصرفية، إنّما حمّل وزر الإدارة الخاطئة للمصرف لأصحاب المصرف والمساهمين فيه ومفوّضي المراقبة ومفوّضي التوقيع والمدراء»، على حدّ تعبيره.

باسكال ضاهر

نسأل عن المسار القانوني لدعوى كهذه ضد مصرف ما، فيُخبرنا ضاهر أنّه يتمّ عزل أصحاب المصرف، ويُعيَّن مدير مؤقّت كما تشكَّل لجنة الإدارة الأولى تحت إشراف ورقابة المحكمة الناظرة في الملف إضافة إلى الجهة المدّعية. وإذ تتشكّل اللجنة من قِبَل قانونيين متخصّصين في إدارة المصارف، تكون مهمة المدير المؤقت تسيير الأمور اليومية للمصرف. كما تؤول الدعوى إلى وضع القيّمين تحت التعقّب من خلال العودة إلى الخلف – أي فترة الريبة ومدّتها 18 شهراً – والتي قد تطول إلى ثلاث سنوات ونصف إذا ما احتُسِبَت فترة إيقاف المهل. من هنا، يمكن للمحكمة المختصّة ملاحقة جميع البيوعات العقارية والتحويلات والهندسات ونقل الأصول، واستعادة ما يمكن استعادته بالوسائل القانونية والقضائية عبر التواصل مع سلطات أجنبية رقابية وقضائية.

في هذه المرحلة، بحسب ضاهر، يتدخّل مصرف لبنان ليشرف على عملية توزيع الأموال المستردّة لأصحابها. فيُصار إلى التحقيق بكل وديعة على حدة: إذا كانت الوديعة ناتجة عن عملية فساد يجب أن تُصادر وتُعاد إلى مالية المصرف لتوزَّع على المودعين، وإلا تُعاد إلى صاحبها. وختم مذكّراً بما حصل في إيسلندا عندما مرّت بأزمة مالية – مصرفية قبل سنوات. فقد جرى تعيين لجان تحقيق للتدقيق وسُجن رئيس الحكومة وبعض الوزراء ومئات الشخصيات المصرفية وأجبروا على إعادة أموال المودعين، لتخرج البلاد من أزمتها منتصرة. فهل اتّجاه كهذا وارد التحقّق لدينا؟

النقيب يوسف بخاش

ليس هذا الحلّ

نقابة الأطباء تمنّعت عن تقديم دعوى مماثلة. نحاول الاستفسار من نقيبها، الدكتور يوسف بخاش، الذي لفت في حديث لـ»نداء الوطن» إلى أن نقابة المحامين هي الوحيدة التي تقدّمت بالدعوى في حين أن نقابة الممرضات والممرّضين تقدّمت بإنذار (وليس بدعوى) لاسترجاع أموالها. وأضاف: «إن كنا نريد تحديد المسؤوليات في حجز أموال المودعين والنقابات، فتأتي الدولة والسياسيون بالدرجة الأولى، يليهما المصرف المركزي ومن ثمّ المصارف. وبالتالي حين نتوجّه بدعوى ضد المصرف نكون قد أعفينا الطرفين الأوّلين الأساسيين من مسؤوليتهما».

أما في ما يخص القانون رقم 2/67، فرأى بخاش في صدوره في العام 1967 إحدى نتائج انهيار بنك إنترا في العام الذي سبق سعياً لاسترداد المودعين أموالهم والتي لم يتمكّنوا من الحصول عليها حتى اليوم. وتساءل: «هل نحن ذاهبون إلى التوجّه نفسه؟ وهل سيفيدنا القانون الذي لم يأتِ بأي نتيجة في العام 1967 بشيء اليوم؟». وإذ أكّد أن العمل على تحرير أموال المودعين والنقابات حق مشروع، دعا لإيجاد الطريقة الأنسب لتحقيق ذلك مع التنبّه إلى حظوظ الربح والتوقيت.

ماذا عن التنسيق مع النقابات الأخرى؟ الاجتماعات الأسبوعية مستمرة منذ سنة تقريباً لكن وحدها نقابة المحامين هي التي اقتنعت بالدعوى على عكس باقي النقابات، من وجهة نظر بخاش. «قد نربح في البداية لكن الملف سينام في محكمة الاستئناف جنباً إلى جنب مع ملف بنك إنترا. المشكلة ليست في المصرف وإنما في السياسة، وأظن أن لدينا فرصة لبناء لبنان المستقبل من خلال ترسيم الحدود البحرية. هذه الدعوى ستُفشل القطاع المصرفي ما لا يخدم مصلحة الوطن حالياً».

عن الحل يشير بخاش إلى أنه لا يتمثّل بقرارات شعبوية تؤدي إلى إغلاق المصارف أبوابها، إنّما في القيام بإصلاحات وعملية إعادة هيكلة كما إرجاع الثقة عبر ترسيم الحدود وإعادة الرساميل ما يساهم في إطلاق العجلة الاقتصادية من جديد. «يجب أن تعمل النقابات بطريقة تدريجية، لا تصادمية، مع الطبقة الحاكمة. فلننتظر تطوّرات ملف الترسيم وانتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة أولاً»، يقول خاتماً.

النقيب ناضر كسبار

الأمل الأخير؟

ننتقل إلى نقيب المحامين، ناضر كسبار، الذي أوضح لـ»نداء الوطن» أن الهدف الرئيسي من تقديم الدعوى هو حماية ودائع المودعين عبر حماية المصارف من القيّمين عليها (رؤساء وأعضاء مجالس الإدارات) الذين «عاثوا فساداً في الإدارة وأهدروا الودائع عبر سلسلة من الإجراءات غير القانونية». لناحية التنسيق، هو قائم ودائم عبر اتحاد نقابات المهن الحرة والذي يتضمّن 16 نقابة تمثّل أكثر من 120 ألف مهني حرّ. ويتابع كسبار أن نقابة المحامين في بيروت، عبر لجنة حماية حقوق المودعين، قامت بإعداد الدراسات اللازمة والإنذار المتوجب بالإضافة إلى استحضار الدعوى، كما أرسلتها إلى جميع النقابات مكلّفة مكتب الارتباط الذي يضم جميع الوكلاء القانونيين للنقابات، بغرض إدامة التنسيق في ما بينها.

ماذا عن تزامن التوقيت مع اعتكاف القضاء؟ «يتطلّب تحضير وإعداد دعوى من هذا النوع وقتاً حرصاً من النقابة على إغلاق جميع الثغرات. كذلك لم نكن نتوقع أن تعتكف العدالة في سابقة خطيرة من نوعها، لذا فإن توقيت تقديم الدعوى لم يكن مرتبطاً بأي شكل من الأشكال باعتكاف القضاء»، كما يردّ كسبار.

الخطوة شعبوية كما يصفها البعض. وإذ نسأله، يعتبر كسبار أن «ليس للنقابة الوقت الكافي للردّ على اتهامات مغرضة من هذا النوع. فالدعوى تُعدّ الأمل الأخير لاستحصال المودعين على حقوقهم، كونها تؤمّن الولوج إلى العدالة من خلال تعقّب وملاحقة جميع المخالفات المرتكبة، أي أنها، وبمعنى آخر، ستُغني عن التدقيق الجنائي».

أما عن المنطق الرامي إلى تقديم دعوى على مصرف واحد فقط، فقد وصّفه كسبار بالتقني البحت، شارحاً: «لقد اتّفقت نقابات المهن الحرة على أن تقوم كل نقابة باختيار أحد المصارف التي تتعامل معها، وبالتالي تكون جميع المصارف عرضة للدعوى نفسها». فنقابة المحامين، كما أردف، تقوم حالياً بمسح شامل للاستحصال على القائمة النهائية للمصارف التي سيجري الادّعاء عليها وذلك تجنّباً لاستثناء أي مصرف.

عبده غصوب

حذار الثغرات

بين نقابات متحمّسة وأخرى متريّثة أو حتى معارضة، يوضح المستشار القانوني البروفيسور عبده غصوب أنه تم تعديل القانون رقم 2/67 بالقانون رقم 110/91، لتنحصر بموجب المادة 2 منه صلاحية الطلب من المحكمة المختصّة تطبيق أحكام توقّف المصرف عن الدفع بحاكم مصرف لبنان. وبالتالي ستُردّ الدعوى لعدم الاختصاص ولعدم مراعاة الشروط الشكلية في تقديمها.

أما الثغرة الثانية، والكلام لغصوب، فهي توجّه نقابة المحامين إلى محكمة البداية (الغرفة الإفلاسية) التي، حين تلاحظ توفّر شروط إفلاس المصرف، ستُعلن بنفسها إفلاسه. وهكذا، إن كان الهدف من قانون التوقّف عن الدفع هو «إبعاد كأس الإفلاس المرّة عن المصرف» فقد ذهب المدّعون مجاناً إلى إعلان إفلاسه.

ويسأل غصوب ثالثاً: «من هو المتوقّف عن الدفع، مصرف لبنان أم المصارف التجارية؟ وإن كان المودع يعتبر أن علاقته المباشرة مع المصارف التجارية، فهذا كلام غير منطقي لأننا في هذه الحال أمام علاقة تقصيرية وليس عقدية. وحين يكون هناك اشتراك بالجرم المدني ويصعب تحديد نسب المسؤولية، تكون كل الأطراف المعنية مسؤولة على قدر المساواة». وهو ما يُترجَم عملياً بأن ثمة مسؤولية تضامنية بين الدولة، مصرف لبنان والمصارف التجارية التي اشتركت في الهندسات المالية للمركزي دون إدراك العواقب.

الحل بالنسبة إلى غصوب يشترط استخدام القانون 2/67 المعدّل بالقانون رقم 110/91 كوسيلة لتعويم المصارف وليس للاقتصاص منها، حسب الغاية التي وُضع هذا القانون أساساً لها. وهو ما يتطلّب الاستعانة باختصاصيين ناجحين في علومهم وتجربتهم لإعداد خطة تعافٍ اقتصادية شاملة تكون مسألة إعادة تأهيل المصارف وتسهيل دمجها إحدى نقاطها الأساسية للنهوض مجدّداً بالبلد.

واصف الحركة

«الإفلاس الإحتيالي» أجدى

دعوى «التوقف عن الدفع» أو دعوى «الإفلاس الاحتيالي»؟ أي منهما يخدم مصلحة النقابات أكثر وينتقل بنا إلى نظام مصرفي مستقبلي مستقل؟

عن هذا السؤال يجيب عضو الهيئة التأسيسية في المرصد الشعبي لمكافحة الفساد، المحامي واصف الحركة، في اتصال مع «نداء الوطن» لافتاً إلى أن قانون التجارة البرية اللبناني وصف المفلس بالفرد أو المؤسسة التي تتوقّف عن دفع ديونها. والإفلاس ثلاثة أنواع: العادي الناتج عن أزمة عادية؛ التقصيري وسببه ارتكابات كان يمكن التنبّه إليها؛ والاحتيالي نتيجة ارتكاب أفعال احتيالية، وهذا ما عالجته أيضاً المادة 689 عقوبات. ويضيف: «القانون الخاص رقم 2/67 الذي صدر في العام 1967 أقرّ نظاماً قانونياً خاصاً بالمصارف هدفه إنقاذ تلك المتوقّفة عن الدفع من الإفلاس. حينها كانت المصارف تمارس دورها على أكمل وجه، لكنها اليوم مرتكبة ووضع البلد غير طبيعي هو الآخر. فهذا القانون الخاص لا يمنع تطبيق المادة 689 عقوبات خاصة وأنه لم يتم تعديله منذ صدوره».

وفي مقارنة بين الدعويين، يرى الحركة أن تأثيرات التوقّف عن الدفع تبدأ لدى صدور الحكم، فترفع إدارة المصرف يدها عن أعماله وتتوقّف الإجراءات الفردية فيصبح المودع غير قادر على تقديم دعاوى خاصة، كما تسقط آجال الديون وينشأ التأمين الإجباري. ويأتي ذلك في محاولة لتأمين استمرارية المصرف وتسديد أموال المودعين وإلا يجري بيع المصرف أو تصفيته. هذا إضافة إلى أن القانون يمنع ملاحقة الفاعل المرتكب ومحاسبة المصارف المرتكبة. من هنا ضرورة اللجوء إلى الإفلاس الاحتيالي.

لماذا؟ لأن إجراءاتها أسرع ويُحاسَب المرتكب فيها جزائياً بالسجن، كما يُسمح فيها لكافة الأفراد بتقديم الدعاوى فتكون المحاسبة على الأفعال أقوى. أضف إلى ذلك أن الدعاوى المماثلة تعيد الثقة للمودع اللبناني والأجنبي من خلال محاسبة جميع المرتكبين. لكن الحركة يبدي تخوّفاً من أن «تؤدي دعاوى التوقّف عن الدفع إلى إطالة الأمد وتكون نوعاً من الهروب من العقاب، في حين أن دعاوى الإفلاس الاحتيالي كفيلة بملاحقة كل فرد من الثالوث المتحالف، أي السلطة السياسية، أصحاب المصارف – ومعظمهم سياسيون – وحاكم المصرف المركزي».

مرجع قانوني متابع استغرب ختاماً عدم جمع النقابة للمحامين الباحثين لاستمزاج آرائهم. كما نبّه إلى حالة عدم الوضوح لناحية الصلاحيات والقانون واجب التطبيق وإن كان القضاء المدني أو الجزائي المرجع المختص في هذا الصدد. أما الأهم في نهاية المطاف، فيبقى وقوف سلطة الملاحقة، أي النيابات العامة، على الحياد لاحقاً من عدمه.

 

نداء الوطن

Continue Reading
Click to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.

*

code

أخبار مباشرة

مكافحة كارتيلات المخدّرات منذ عدّة أشهر مصادرة ما قيمته نحو 600 مليون دولار من المخدّرات

P.A.J.S.S.

Published

on

ملاك عقيل – أساس ميديا

بموازاة الفوضى “الشغّالة” والمرجّح أن تتمدّد بفعل استعصاء الحلول السياسية، تحافظ الأجهزة الأمنيّة على قدرة “سيطرتها على الأرض”، وتحديداً على ثلاث جبهات: مكافحة الإرهاب، كشف المتعاملين مع إسرائيل وشبكات التجسّس، ومكافحة الجرائم الجنائية وعلى رأسها تجارة المخدّرات استيراداً وتصديراً والقتل والسلب بقوّة السلاح والسرقة والخطف مقابل الفدية…

لم يكن مقتل الشابّ إيلي متّى في جريمة دنيئة لا حدود لفظاعتها وقساوتها سوى مؤشّر إضافي إلى مدى تفلّت الوضع الأمنيّ وإمكانية ازدياده سوءاً.

أداء أمنيّ سريع

خلال ساعات قليلة تمكّنت مخابرات الجيش من إلقاء القبض على القاتل وشريكه، وهما من الجنسية السورية، فيما ينشط الجيش بشكل لافت على مستوى توقيف أفراد من “داعش” وملاحقة مافيات تصنيع وترويج وتهريب المخدّرات.

القبضة الأمنيّة للجيش والمخابرات واضحة، لكنّ الأمن العسكري، كما باقي الأجهزة الأمنيّة، “شغّال” أيضاً لمكافحة تورّط عسكريين في ارتكابات جنائية أو جنح. وتفيد معلومات “أساس” في هذا السياق عن فرض عقوبات مسلكية بحق ضبّاط وعسكريين أخيراً بتهمة تسهيل التهريب على الحدود.

في المقابل لا يمرّ يوم لا يصدر فيه بيان عن “شعبة المعلومات” عن توقيف متورّطين ومرتكبين في أعمال جنائية، مع تسجيل “خبطات” أمنيّة على مستوى مكافحة التجسّس تطال أيضاً عناصر سابقين في حزب الله تمكّن “الموساد” الإسرائيلي من تجنيدهم، إضافة إلى الملفّ الكبير المفتوح الذي تعمل عليه “الشعبة” منذ أشهر في “نافعة” الأوزاعي والدكوانة والذي سيتمدّد وفق المعلومات إلى باقي المناطق، ويُنتظر فتح ملفّ الدوائر العقارية قريباً.

جمهوريّة وديع الشيخ وعالم البيزنس

حوادث القتل الشنيعة وعمليّات السلب وتجارة المخدّرات والفساد الإداري تزداد بنسبة عالية، وأبشع ما فيها أنّ بعض المتورّطين في جرائم يجدون دوماً من يفتح لهم باب الزنزانة لينطلقوا مجدّداً “في عالم البينزنس” محاولين تكرار ارتكاباتهم بطريقة أكثر حِرَفيّة.

مرّة جديدة يُثبِت بعض أهل السياسة أنّهم في خدمة الخارجين عن الدولة أو “المستقوين” عليها، ويمكن القول إنّنا في “جمهورية وديع الشيخ”.

في أيلول الفائت أوقفت مخابرات الجيش في بعلبك المغنّي وديع الشيخ إثر حادثين: الأوّل بعد دخوله مستشفى الراعي في صيدا مع مجموعة من مرافقيه المسلّحين، ثمّ في اليوم التالي في البقاع حين تعرّض موكبه الخاص لإحدى دوريّات مخابرات الجيش التي كانت تنقل موقوفين، وتبيّن لاحقاً أنّ من ضمن الموجودين في الموكب الشيخ ومحمد دياب إسماعيل المتورّط بعدد من التعدّيات في الضاحية، فتمّ توقيف كلّ من كان في الموكب.

أوقِف الشيخ خمسة أيام بعد إجراء المقتضى القانوني معه وبعدما أبدى كلّ تجاوب، لكن خلال هذه الفترة لم يبقَ أحد في الجمهورية اللبنانية لم يُراجع في وضعه أو يطلب إطلاق سراحه فوراً. هو الـ Business as usual الذي يتقنه السياسيون ويستغلّون من أجله نفوذهم للضغط على القوى الأمنيّة والقضاء لـ “تسهيل أمور” المرتكبين و”المستقوين” على الدولة.

الجيش: التزام بالمهامّ

ثمّة ما يمكن أن يُسجّل لصالح الجيش، وهو أداؤه السريع، وذلك في عزّ الفوضى الأمنيّة واستمرار المنظومة إيّاها في حماية المتورّطين بالاعتداء على أمن الدولة واستقرارها، وبالتزامن مع أسوأ وضع ماليّ معيشي يعيشه العسكر منذ اندلاع انتفاضة 17 تشرين.

لا يتوقّف الأمر على متابعة الجيش لملفّات الإرهاب والقتل ومكافحة التهريب، إذ يلحظ كثيرون تغيّراً كبيراً منذ مدّة في نمط عمل الجيش في مربّع الخارجين عن القانون في بعلبك-الهرمل.

لقد أسفر الضغط المتواصل غير المسبوق من قبل مخابرات الجيش في البقاع حتى الآن عن توقيف عدد كبير من المطلوبين الخطرين المعروفين بالاتّجار بالمخدّرات وترويجها وتصديرها. هو الضغط نفسه الذي دفع المطلوب علي منذر زعيتر (أبو سلّة) إلى الهرب إلى سوريا بعد تطويقه ومحاصرته والتضييق عليه والقيام بعدّة مداهمات لمنزله و”رَبعاته”، مع العلم أنّ هناك نحو 390 مذكّرة توقيف بحقّه.

في آخر جولات محاصرته أسفرت العمليات الأمنية المتكرّرة عن توقيف عدد من مساعديه بعد تحوُّل حيّ الشراونة وعدد من أحياء بعلبك إلى مدينة حرب حقيقية.

النشرة تمنع التدخل السياسي

لا يزال الجيش حتى الآن يركّز عمله على اصطياد الرؤوس الكبيرة من أصحاب السوابق الذين بقوا لعهود بمنأى عن أيّ ملاحقة، مع إفراط مقصود في استخدام القوّة الذي بات السِمة الأبرز في التعامل مع الفارّين من وجه العدالة، إضافة إلى فرض عنصر المفاجأة واستخدام القوات الجوّية خلال العمليات الأمنيّة لتسهيل إجلاء العسكريين في حال الضرورة أو لكشف مسار تحرّك المطلوبين من خلال المراقبة، على الرغم من أنّ ثمّة خشية حقيقية من تمكّن “الطفّار” المسلّحين من استهداف المروحيّات العسكرية وإصابتها بشكل مباشر.

عاود أخيراً بعض المطلوبين نشاطهم بشكل ملحوظ بعد فترة من التواري عن الأنظار و”تخفيف الشغل”، لكنّ الجيش “ما عمّ يعطيهم نَفَس”، حسب تعبير أحد المتابعين للملفّ.

وفق المعلومات، كانت حصيلة مكافحة كارتيلات المخدّرات منذ عدّة أشهر مصادرة ما قيمته نحو 600 مليون دولار من المخدّرات على أنواعها وتفكيك أوكار ومصانع إنتاج الكبتاغون والكوكايين وتوقيف عشرات من المطلوبين الذين كان بعضهم “شغّالاً” على خطّ الضاحية-بعلبك.

تفيد معطيات “أساس” أنّ الغطاء السياسي شبه مرفوع عن جميع هؤلاء، وتحديداً من حزب الله، وإذا حاول الأخير التدخّل ومعرفة “وضع” أيّ من الموقوفين المطلوبين، فإنّ “النشرة” الصادرة بحقّه و”مآثره” في عالم المخدّرات كفيلة بلجم أيّ تدخّل سياسي أو حزبي.

استرجاع مخطوفين

نفّذ الجيش عدّة مداهمات بالوتيرة نفسها من الضغط لاسترجاع مخطوفين مقابل فدية. وحتى يوم أمس كان فرع مخابرات البقاع يداهم أحياء في الشراونة والدار الواسعة في بعلبك للبحث عن الطفلين السوريَّين مهنّد وغالب ماجد عروب اللذين اختطفهما كلّ من عبد الكريم علي وهبه وعلي قاسم وهبه ومحمد قاسم وهبه. والطفلان موجودان حالياً في منطقة جرماش السورية لدى كلّ من ربيع عواضة وناجي فيصل جعفر، ويطالب الخاطفون بمبلغ 350 ألف دولار لتسليمهما.

تجزم أوساط متابعة لملفّ مافيات بعلبك أنّ “المدينة والجوار يشهدان ضغطاً أمنيّاً غير مسبوق وطريقة عمل غير اعتيادية ضيّقت كثيراً على المطلوبين وتجّار المخدّرات”.

ما يجدر فضحه هنا أنّ أحد “وجهاء” منطقة بعلبك وأحد كبار التجّار لا يزال “ينغل” على خطّ “فكّ أسر” موقوفين بحكم مَونَته ليس فقط على العديد من القضاة، بل أيضاً على ضبّاط في أجهزة أمنيّة. وأثبتت التحقيقات تورّط أحد الوزراء السابقين من المنطقة بدعم هؤلاء الخارجين عن القانون في السرّ والعلن.

مكافحة الإرهاب

من جهة أخرى، ينشط الجيش على خطّ كشف الشبكات الإرهابية، وكان آخر إنجازاته في هذا المجال في تشرين الأول حين أوقِف أ. خوجة على خلفيّة انتقاله إلى سوريا بهدف الالتحاق بتنظيم داعش ثمّ عودته خلسة إلى لبنان وقيامه بتجنيد أشخاص لمصلحة التنظيم، لإرسال بعضهم إلى مناطق النزاع، وإعداد البعض الآخر لارتكاب اعتداءات في الداخل اللبناني. وتمكّنت مخابرات الجيش من توقيف المتورّطين معه، وعلى رأسهم المدعوّ ع. الراوي .

سبق ذلك كشف الجيش في أيلول عناصر خليّة إرهابية أُوقفوا في إحدى بلدات البقاع الغربي وضُبطت بحوزتهم أسلحة وذخائر حربية. وقد تبيّن ارتباط أفرادها بأحد التنظيمات الإرهابية، وتنفيذهم رمايات وتدريبات عسكرية في جرود المنطقة، وتخطيطهم لضرب مراكز عسكرية وتبادلهم صوراً جوّيّة لتلك المراكز.

Continue Reading

أخبار مباشرة

قرار لمولوي بشأن “هيئة إدارة السير”… حتى إشعار آخر

P.A.J.S.S.

Published

on

إتخذ وزير الداخلية والبلديات بسام مولوي قرارًا بتكليف محافظ مدينة بيروت القاضي مروان عبود بمهام رئيس مجلس إدارة – مدير عام هيئة إدارة السير والآليات والمركبات، وحتى إشعار آخر، وذلك تأمينًا لإستمرارية سير المرفق العام وإستقراره.
كما كلف العقيد في قوى الأمن الداخلي علي طه بمهام رئيس مصلحة تسجيل السيارات والآليات والمركبات، وحتى إشعار آخر.

Continue Reading

أخبار مباشرة

هل انتصرت سردية الرياض ـ أبوظبي؟

P.A.J.S.S.

Published

on

حسناً فعلت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، بإقرارها أن الغرب أطال قبل أن يفهم «حقيقة بسيطة للغاية، هي أنه عندما كنا نعمل على منع إيران من تطوير أسلحة نووية، كان علينا أيضاً أن نركز على أشكال أخرى من الطائرات المسيّرة إلى الصواريخ الباليستية». فهذا الاعتراف يعد انتصاراً دبلوماسياً وسياسياً واستراتيجياً لمنطق دول الاعتدال العربي، لا سيما السعودية والإمارات، اللتين ثابرتا على مدى سنوات وأكثر، منذ تولي الرئيس جو بايدن الرئاسة الأميركية، على الدفع باتجاه هذا المنطق، بغية الربط بين سياسات إيران التخريبية في المنطقة وبرنامجها النووي، باعتبارهما نسقاً واحداً للسلوك الإيراني المدمر في الشرق الأوسط.
ببساطة شديدة، قالت فون دير لاين في كلمتها، خلال أعمال مؤتمر «حوار المنامة» بنسخته الثامنة عشرة، إن «الطائرات المسيّرة الإيرانية التي استُخدمت في الهجوم على سفينة نفط بخليج عُمان، الأربعاء الماضي، سبق استخدامها في هجوم شنته ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران على أبوظبي في يناير (كانون الثاني) الفائت». وأضافت، أن روسيا «أطلقت هذه الطائرات الإيرانية دون طيار ذاتها مراراً، ضد أهداف مدنية في مدن أوكرانية»، واصفة ذلك بأنه «انتهاكات صارخة للقانون، وجرائم حرب».
لم تكن هذه نقطة التحول الوحيدة في الموقف الغربي، بعد نحو ثلاث سنوات من أسوأ فترات التوتر بين دول الخليج وعواصم غربية، على خلفية اهتزاز عميق للثقة بينها وبين عواصم الخليج الرئيسية؛
ففي السياق نفسه، ومن على منبر «حوار المنامة» أيضاً، كشف منسق مجلس الأمن القومي الأميركي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بريت ماكغورك، عن «تشييد الولايات المتحدة بنية تحتية دفاعية متكاملة لردع التهديدات الوشيكة في منطقة الشرق الأوسط»، مؤكداً أن بلاده نجحت بفضل التعاون الأمني الوثيق مع الرياض في إحباط مخطط هجومي إيراني يستهدف السعودية.
هذا التحول في المواقف والتوصيفات والتحليل واللغة، هو انتصار لسردية ثابرت عليها كل من الرياض وأبوظبي، في مقابل سردية مغايرة، تصدرتها أصوات اليسار الديمقراطي في إدارة الرئيس بايدن، وممن عملوا ويعملون في كنف التحشيد لها في الإعلام ومراكز الأبحاث، وجلهم من مخرجات الحالة «الأوبامية»، التي زادت راديكالية، كرد فعل على رئاسة دونالد ترمب.
لو وسعنا زاوية النظر أكثر، لوجدنا أن النزاع الروسي – الأوكراني، الذي اتُّهمت فيه عواصم الخليج زوراً بالانحياز إلى روسيا، شكّل هدية لها ولسمعتها وموقعها. ببساطة شديدة يمكن القول إن المسيّرات الإيرانية التي تحدثت عنها المفوضية الأوروبية، مُوّلت من عائدات النفط الإيراني، لتكون عنصراً جديداً يضاف إلى ترسانة التخريب الإقليمي والدولي الذي تمارسه إيران من سواحل الإمارات إلى عمق المدن الأوكرانية في قلب أوروبا، في حين أن عائدات النفط الخليجي توظف في سياسات محلية وإقليمية ودولية تراهن على التجسير مع العالم، لا على قصف الجسور فيه، في وقت يعاني فيه هذا العالم ارتفاع معدلات التضخم، ومخاوف من احتمالات الركود الاقتصادي، وسيناريوهات مرعبة حول مآلات البيئة التي تشهد فيضانات وحرائق وموجات تغيير حراري غير مسبوقة.
قدّر صندوق النقد الدولي، قبل اندلاع النزاع الروسي – الأوكراني، أن تضيف دول الشرق الأوسط المصدّرة للطاقة ما يصل إلى 1.3 تريليون دولار في السنوات الأربع المقبلة، مما سيؤدي إلى تحسن في وضع صناديق الثروة السيادية في المنطقة، في وقت تشهد فيه الأصول العالمية عمليات بيع كبيرة تقلل من قيمتها. ومن البديهي أن ترتفع هذه التقديرات نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب في أوكرانيا، مما سيعزز من الوضع المالي للمنطقة، وبخاصة دول الخليج.
مما لا شك فيه أن الأولوية الاستثمارية لهذه العائدات الضخمة تذهب باتجاه برامج التنويع الاقتصادي، وتهيئة دول الخليج لاقتصاد ما بعد النفط، بيد أن هذا التحول الداخلي لا ينفك عن تحولات عالمية موازية في مجال البيئة والطاقة النظيفة، باتت دول الخليج صاحبة دور ريادي فيها.
في هذا السياق، قاد الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، رئيس اللجنة العليا لـ«السعودية الخضراء»، انطلاق النسخة الثانية من قمة «مبادرة الشرق الأوسط الأخضر» يوم 7 نوفمبر (تشرين الثاني)، و«منتدى مبادرة السعودية الخضراء» يومي 11 و12 نوفمبر في مدينة شرم الشيخ المصرية، كنشاط متزامن مع انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة المعنيّ بتغيّر المناخ (COP 27). وقد أعلن الأمير محمد بن سلمان استضافة بلاده مقر «مبادرة الشرق الأوسط الأخضر»، وإسهامها بمبلغ 2.5 مليار دولار دعماً للمبادرة على مدى السنوات العشر المقبلة؛ أي 15 في المائة من مجموع الحجم الاستثماري للمشاريع المستهدفة.
أما الإمارات العربية المتحدة، فوقّعت شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة، على هامش معرض ومؤتمر أبوظبي الدولي للبترول (أديبك 2022)، لاستثمار 100 مليار دولار في تنفيذ مشروعات للطاقة النظيفة تبلغ طاقتها الإنتاجية 100 غيغاواط في كل من الدولتين، ومختلف أنحاء العالم بحلول عام 2035.
يعطي هذان المثالان فكرة عن العقل الذي يدير عائدات النفط في السعودية والإمارات، وهمومه، وصلاته بالعالم، في مقابل الكيفية والوجهة التي تدير بها إيران عائداتها، أو العائدات التي تستحوذ عليها مباشرة أو غير مباشرة من العراق.
وعليه، فإن التحول في الموقف الغربي من التحديات الأمنية المشكو منها خليجياً، الذي بدأتُ الحديث عنه هنا، ليس تحولاً تمليه مسؤوليات التحالف والتآزر فقط، بل هو خيار يقدم أو لا يقدم عليه الغرب بين دول تقدم نماذج مختلفة تماماً من العمل والمسؤولية.
فمن غير المنصف ألا يكون أداء هذه الحكومات وتوجهاتها ومستويات التزامها بالمسؤوليات الدولية، هو المدخل لتعريف العلاقات بها، أو أن يُختزل كل الشرق الأوسط بأنه «سبب للصداع بسبب التنافس المذهبي بين دوله»، بحسب سردية يسارية سطحية جرى تبنّيها أميركياً، وتأثر بها آخرون.
«حوار المنامة» كان مناسبة ألقت الضوء على شيء يتغير في المقاربة الغربية، وإن كانت فجوة الثقة الكبيرة تدعو للتمهل في التفاؤل.

نديم قطيش

Continue Reading
error: Content is protected !!