شباب "عبرا" قبل أحمد الأسير وبعده - Lebanon news - أخبار لبنان
لبنان

شباب “عبرا” قبل أحمد الأسير وبعده

“يجب أن تأتي إلى صلاة الجمعة. ستعيدك خطبة الشيخ أحمد الأسير إلى الإسلام الحقيقي. ناطرتك”
سمعت هذه الجملة في العام 2011 من فتاة كنت أعرفها في المدرسة والتقيت بها في الحافلة التي ستأخذنا من بيروت إلى صيدا. أذكر أنّها لم تكن محجّبة خلال سنوات الدراسة، أمّا حين رأيتها فقد كانت تجلس في مقعدها ولا يظهر من وجهها سوى عينيها وجفونها المغطاة بحواجب كثيفة، تمنّعت عن نزعها لأنّ “الإسلام” الذي اهتدت إليه، يرفض أن تغيّر أيّ جزء من ملامحها. كل ما تبقى من جسدها كان مغطى بعباءة رصاصية اللون.
قبل أن نصل إلى ساحة النجمة دعتني لحضور المولد الذي ستقيمه بمناسبة زفافها. باركت لها وسألتها عن طريقة لقائها بخطيبها، فقالت: “أولاد الحلال في الجامع يحاولون قدر الإمكان ستر الفتيات العازبات، من خلال تدبير أزواج لهن من المؤمنين. حتّى أنّ الشيخ أحمد قام بتأمين الشقة لنا مع معاش شهري لكي نبدأ حياتنا، ولا يطلب في المقابل سوى أن نكون من الأتباع الصالحين”
إن أردنا العودة إلى تلك المرحلة هناك 3 عوامل استطاع الأسير من خلالها السيطرة على الشباب في عبرا
في بدايته، أي في التسعينيات، اتّبع الأسير الخطاب المعتدل والبعيد عن السياسة، فاستطاع بهذا الأسلوب بناء قاعدة جماهيرية من مختلف المذاهب
في منتصف العقد الأوّل من الألفيّة الثانية، وتحديدا بعد اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، ولاحقاً بعد أحداث 7 أيّار، بدأت عملية التجييش العاطفي المعتمدة على مظلومية أهل السنّة، ووصل التجييش إلى ذروته مع بدء الأحداث في سوريا وتدخل “حزب الله” العسكري فيها
أمّا العامل الأهم، والذي اشترى به ولاء الشباب في المنطقة فكان العامل الاقتصادي. في منطقة تشكو من قلّة فرص العمل، بدأ الأسير بتقديم معاشات شهرية تصل إلى 1200$ في الشهر، مقابل العمل في الحراسة لمدة 12 ساعة يومياً، ومع تصاعد التوتر الطائفي عبرا، تدنّت أسعار العقارات فقام بشرائها وتوزيعها على أتباعه وتزويجهم
في العام 2013 وفي ذروة سيطرة الأسير وأتباعه على منطقة عبرا، تغيّرت أشكال وشخصيات الكثير من الجيران الذين كبرت بينهم في شارع مكسيموس. صارت النساء يلبسن العباءة السوداء أما الرجال فصاروا يربّون لحى طويلة مصبوغة باللون الأحمر. وصار معظمهم يمتنع عن رد السلام عليّ، لأن عائلتي لا تنتمي إلى طائفتهم نفسها، ولا تقصد جامع بلال بن رباح
تحت المبنى الذي أسكنه دبابة، ورجال من قوى الأمن، ورجال مسلّحون، وفضل شاكر يناقش أحمد الأسير أثناء وقوفهما وسط الشارع الذي تحوّل إلى مربع أمني. كلّما أردت الوصول إلى المنزل عليّ إبراز بطاقة هويتي والتعريف عن نفسي شفهيّاً. رغم معرفتهم بسلالتي، بحكم أنّهم قاموا بتحقيقاتهم وبزيارتنا ليطمئنونا أنّه رغم انتمائنا إلى طائفة أخرى فإنّ وجودنا مرحب فيه
تنقسم عبرا إلى قسمين: عبرا الضيعة، التي تضم السكان الأصليين، وهم مسيحيون، وعبرا الجديدة، التي يعود أصل معظم سكانها إلى أحياء مدينة صيدا، وينتمي أغلبهم إلى المذهب السني، مع وجود أقليّة شيعية
في عبرا وفي شارع واحد، ثلاث مدارس تحتضن جميع الطوائف، تعلّم فيها قسم كبير من شباب صيدا وضواحيها، وبنوا فيها صداقاتٍ، كانت تُترجم بطريقة تفاعلهم في الأحياء
ولطالما اعتبرت منطقة عبرا في مدينة صيدا مكانا يتسكع فيه الشباب بحرية، يوجد مثلاً درج اسمه “درج العشاق”، بسبب كثرة تردّد العشاق عليه، كما كان هناك ما يسمى “كزدورة عبرا”، والتي كانت أيضاً وسيلة لتفاعل الشباب مع بعضهم البعض كل نهار أحد
في المنطقة ثلاثة شوارع رئيسية، الشارع العام الذي يضم معظم المطاعم، محلا لبيع الكحول، محال للملابس، محال للتسلية كالبليارد والكمبيوتر. وهناك شارع مكسيموس الذي أخذ اسمه من المدرسة التي تحمل الاسم نفسه الموجودة فيه، وشارع راهبات عبرا والذي أخذ اسمه من مدرسةٍ للراهبات تقع فيه أيضاً. كانت المنطقة جاذبة للسكان، الذين كانوا ينزلون يومياً إلى الشارع للمشي، وكان الأطفال يستأجرون الدراجات الهوائية، فيما يجتمع الشباب على الأدراج وعلى أرصفة الحي. كانت مدرسة مكسيموس مشهورة بالكرمس السنوي الذي تقيمه مع حلول فصل الصيف، وبالمهرجانات التي كانت تستقطب أشخاصا من المدينة ومن خارجها

وقتها، ورغم أن المنطقة تحسب “إسلامية”، ورغم وجود جامع بلال بن رباح، إضافة لعدة مواقع تابعة لـ “حزب الله”، إلّا أنّ الطائفية لم تنعكس على الشارع

مع بروز الأسير في المنطقة وحصوله على الحماية الكافية ليصدر قرارات وليغير ما يريد، صار الشارع امتداداً للجامع، وضعت كاميرات للمراقبة، أقفلت عدّة محال لأنّ مالكيها ليسوا مؤيّدين للأسير، منعت الموسيقى والملابس غير المحتشمة أمام الجامع، وبدأت عمليّات التهديد تصل لكلّ شخص لا يوافق على التعاليم التي يحرّض عليها أحمد الأسير

انقسم الشباب في المنطقة، قسم مع الأسير وقسم ضده. الشباب الذين رفضوا تأييد الشيخ صاروا يتجنبون النزول إلى الحي، ومنهم من ترك منزله بسبب كثرة التهديدات، عاصم (26 عاما) واحد من هؤلاء، يقول: “في العام 2013، وقبل أول معركة توقفت عن التسكع في الحي، هناك أشخاص كنت أبيت في منازلهم وكنّا من أقرب الناس صاروا يهدّدونني بالسلاح، لفترة معينة كانوا يحكمون المنطقة”. في المعركة الثانية وخلال محاولة والدة عاصم الهرب تم إطلاق الرصاص على سيارتها من قبل مسلّحي الأسير ظنّاً منهم أنّ عاصم داخل السيارة

بعد محاولة الشيخ الأسير السيطرة على المنطقة ودخوله في مواجهة مسلّحة مع الجيش اللبناني و”سرايا المقاومة”، التابعة لـ”حزب الله”، وهزيمته، لم يعد بإمكان عبرا أن تعود إلى طبيعتها الحيادية كما كانت قبل الأسير، وصار “حزب الله”، ولو بطريقة غير معلنةٍ هو المسيطر على المنطقة، عبر خروج مؤيديه إلى العلن، ومن خلال المحال التي استأجرها مناصروه، إضافة إلى تجمّعاتهم في المنطقة
ينقسم الشباب حالياً في عبرا إلى 5 مجموعات: المؤيدون لـ “حزب الله”، المؤيّدون السابقون للأسير، الذين ما زالوا مؤيّدين للأسير، والمحايدون، إضافةً للهاربين
بعد انتهاء المعركة، ورغم سيطرة “حزب الله” على المنطقة، بقي الشارع مليئاً بالتناقضات ولم تحدّد هويته بعد. قد تقصد الحي وترى جميع المجموعات تتفاعل بعضها مع بعض، ولو بإلقاء التحيّة، إلّا أنّ التوتر والحقد بقيا موجودين، وعمليات المداهمة التي تنفذها أجهزة الدولة لبيوت بعض التابعين للأسير ما زالت موجودة
معظم السكان الأصليين، إمّا باعوا شققهم أو أجّروها. في أحد الأبنية المؤلفة من 20 شقة، مثلاً، لم يبقَ سوى 4 عائلات من السكان القدامى. الذين كانوا مؤيدين للأسير تخلّوا عن لحاهم وعباءاتهم، كما عادت الحرية جزئياً لشباب المنطقة، لكن هناك العديد من الشبّان المفقودين أو الهاربين، الذين لا يعلم ذووهم شيئاً عنهم. منهم من يقول إنّ أولادهم في مخيم عين الحلوة، ومنهم من يقول إنّهم خارج البلاد، وقد مضى على رحيلهم ثلاثة أعوام
لم يجد شباب عبرا بعد الأسير هويتهم التي سينقلونها إلى الشارع بعد. في عاشوراء مثلاً ستجد سيارات يصدح منها صوت ندبيات بهدف استفزاز شيخٍ يعبر بالقرب منها، لكن دون وجود أيّ ردّة فعل. الأمر الوحيد الواضح والمحسوم حالياً عند أهل المنطقة هو عدم استعدادهم للتضحية بحيواتهم ومنازلهم وأملاكهم مرة أخرى

السفير

Leave a Reply