لا تختلف جولة الإشتباكات التي حصلت فيمخيم عين الحلوة، في الأيام الماضية، عن سابقاتها، لناحية عدم معرفة الأسباب الحقيقية أو الجهات المحرضة أو معاقبة من يقف خلفها، لكن الأكيد أنها لن تكون الحلقة الأخيرة من المسلسل المستمر منذ سنوات، نظراً إلى أن الأسباب لا تزال موجودة، ومن الممكن أن يضاف إليها أسباب أخرى في المرحلة المقبلة.

حتى اليوم، لا تزال غالبيّة القيادات الفلسطينية، الوطنية منها والإسلامية، تصر على تكرار العبارات نفسها، أمن “المخيم وسكانه أمانة في أعنقانا” إلى “النأي بالنفس عن كل ما يجري في لبنان والمنطقة من أحداث”، وصولاً إلى تأكيد “الحرص على الإستقرار والسلم الأهلي مع الجوار”، لكن على أرض الواقع ترتفع المخاوف والمحاذير مع كل جولة عنف جديدة بشكل خطير من دون أن تجد حلاً جذرياً لها، في ظل دعواتالسلطة الفلسطينيةالدولة اللبنانية إلى تسلم الأمن في المخيمات، وإعتبار الأخيرة أن هذه المسؤولية تقع على عاتق الجهة الأولى.

في هذا السياق، تكشف مصادر لبنانية مطّلعة، عبر “النشرة”، ان الهم الأول لدى المسؤولين المعنيين هو عدم بقاء المخيّم بؤرة يتوارى فيها المطلوبون إلى القضاء، لا سيّما المتورطين منهم في قضايا إرهابيّة، خصوصاً أن التحقيقات في العديد من الملفات تثبت أن هؤلاء يعملون على التحضير لتنفيذ عمليات أمنية بين الحين والآخر، ويستغلّون غياب الأجهزة الرسمية عن هذه الرقعة الجغرافية، وتضيف: “من مسؤولية السلطة الفلسطينية والفصائل الفاعلة في عين الحلوة العمل على توقيف هؤلاء وتسليمهم أو دفعهم إلى الخروج كما دخلوا”.

من وجهة نظر هذه المصادر، لا يمكن بعد اليوم السكوت عما يحصل مهما كان الثمن، لأن المطلوب إستكمال حلقة الجهود التي تقوم بها الأجهزة الأمنية على مستوىمكافحة الإرهاب، لا سيما أن لبنان موجود على قائمة أهداف التنظيمات المتطرّفة، حيث أثبتت التوقيفات الدورية أنها تسعى بأي وسيلة إلى النفاذ لتهديد الإستقرار المحلي.

وترى المصادر نفسها أن المطلوب ربّما حلاً على “الطريقة الطرابلسية”، التي قادت إلى وضع حدٍّ نهائي لجولات العنف التي كانت تشهدها عاصمة الشمال، من خلال رفع الغطاء عن المطلوبين من قبل كافة الأفرقاء السياسيين، الأمر الذي دفع بعضهم إلى تسليم نفسه والبعض الآخر إلى مغادرة الساحة الطرابلسية، وتشير إلى أن هذا الأمر يتطلب، قبل أي شيء آخر، توافقاً بين مختلف القوى الفلسطينية بالدرجة الأولى، وأخذ قرار جدي في حماية عين الحلوة بعيداً عن الشعارات الرنانة التي لا تقدم ولا تؤخر، وتتابع: “الخلافات الفلسطينية-الفلسطينية لا تعني اللبنانيين بأي شكل من الأشكال، والمطلوب هو إزالة التهديد الذي يشكله بعض الموجودين في المخيم فقط”.

على هذا الصعيد، توضح المصادر نفسها أن ما لا يدركه البعض حتى الآن، أنّه إلى جانب خطر العمليات الإرهابية التي يجري الإعداد لها من داخل المخيم، تمدّد الإشتباكات إلى المناطق المجاورة بشكل يقطع طريق الجنوب وهو أمر غير مسموح به، وهذا ما اعلنته قيادتاحركة املوحزب اللهمرارا، فهذا الطريق لا يتعلق بربط المناطق اللبنانية بعضها ببعض فقط، الأمر الذي قد يؤدي إلى فتنة مذهبية لا تحمد عقباها إن أُقفل، بل هو أيضاً طريق رئيسي لقوات الطوارىء العاملة في الجنوب “اليونيفيل”.

في الجانب الآخر، ليس لدى مصادر فلسطينية قيادية رواية واحدة عن الأسباب التي أدّت إلى إندلاع الإشتباكات الأخيرة، فهناك الكثير من السيناريوهات التي يتم التداول بها، لكنها تُصر على وضع ما حصل في سياق إستهداف حقّ العودة، من خلال تكرار سيناريو مخيّمي نهر البارد واليرموك، إلا أنها لا تتردد بالتأكيد أن هناك جهات خارجيّة لها مصلحة في توتير الأوضاع في عين الحلوة، عبر تحويله إلى صندوق بريد لتبادل الرسائل.

في هذا الإطار، تجزم بوجود قرار جديّ بإنهاء هذا الواقع، وتشير إلى أن بعض الملفات العالقة ورثها المخيم من خارجه، كقضية المطلوب شادي المولوي الذي إستطاع الإنتقال من طرابلس إلى عين الحلوة بكل حرية دون أن يتم توقيفه، وتضيف: “نحن ندعو كل من هو من خارج المخيّم إلى الخروج كما دخل، لأننا لم نعد نحتمل المزيد من الخضّات”، لكن تتحفظ عن التأكيد بأن التلويح باستخدام القوة لتحقيق هذه الغاية سينفذ، وتعتبر أن أي خيار من هذا النوع يحتاج إلى قرار سياسي كبير، وهو أيضاً لن يكون من دون ثمن.

في المحصّلة، الهدوء الذي عاد إلى جبهات عين الحلوة لا يعني إنتهاء المشكلة، بل فقط تأجليها إلى موعد لاحق، نظراً إلى أن الإشتباكات قد تندلع في أي لحظة تحت أي عنوان، ولكن الأكيد أن الجرّة لن تسلم كل مرّة.