يفضّل الرجال الجمال، والنساء الثروة، وغيرها من التفاهات غير العلمية - Lebanon news - أخبار لبنان

يفضّل الرجال الجمال، والنساء الثروة، وغيرها من التفاهات غير العلمية

النظام الغذائي النباتي قد يؤدي لنقص فيتامين بي 12 وتضرر الأعصاب

إذا كانت التفضيلات الزوجية محددة بيولوجيًا، فإن التحيز الجنسي الفردي لا ينبغي أن يكون له تأثير، ولكنه يؤثر فعلًا.

في أول موعدٍ لهما تحدث ميا وجوش وكأن كل منهما كان يعرف الآخر لسنوات. كان جوش يحب خفة دم ميا، وميا تفرح بدفء جوش وابتسامته الدائمة. لقد ازدهرت علاقتهم، ولكن الشكوك بدأت تثار على كل من الجانبين. كان جوش الراعي الأساسي لطفل من زواج سابق، وكانت أموره المالية متدهورة. لم يثر ذلك إزعاج ميا كون شخصية جوش كانت أكثر مما تتمناه. ورغم ذلك لم يكن جوش من النوع العادي، النوع الذي يصغرها سنًا، بالإضافة إلى كونه الشخص الرياضي والوسيم للغاية. ومن ناحية أخرى، كان جوش يحلم بامرأة ذات طموحات عالية، تعليم متميز، وحبذا لو تكون حاصلة على درجة الدكتوراه.

قد يبدو هذا السيناريو غريبًا، وينبغي أن يكون: لقد اخترعت رواية عن الكيفية التي قد يبدو بها مشهد المواعدة بين الجنسين بعد مائة عام. وفي الوقت الحالي تميل الرغبة في إقامة شريك شاب جذاب من الجنس الآخر إلى الانتشار في الرجال أكثر من النساء. ومن ناحية أخرى، من المرجح أن تعطي النساء الأولوية للمال على حساب العمر والجمال. لماذا؟

لقد عزى العديد من علماء النفس التطوري هذه النزعة إلى قوة المحركات البيولوجية الفطرية. وتستند حجتهم على أن النساء لديهن رغبة في التشبث برجال أثرياء من أجل توفير الدعم لأطفالهن أثناء فترة الحمل الطويلة وتربية الأطفال. ومن ناحية أخرى، يهتم الرجال غالبًا بالخصوبة لدى المرأة، والتي يخدم جمالها وشبابها كإشارات مفيدة. في الماضي البعيد، كان هذا السلوك متكيّفًا، ومع التطور تم اختيار وإدخال ذلك السلوك في جيناتنا إلى الأبد. لا شك أن طقوس التزاوج الحديث تبدو مختلفة تمامًا عن طقوس أسلافنا. «ورغم ذلك فإن نفس الاستراتيجيات الجنسية التي يستخدمها أجدادنا تعمل اليوم»، كما ذكر عالم النفس ديفيد باس في كتاب تطور الرغبة (2003). بيد أنه حدث تحول جذري في أدوار الجنسين على مدى السنوات الخمسين الماضية. في ثمانينيات القرن العشرين، كان من الممكن فصل مضيفات الطيران في الولايات المتحدة إذا تزوجن، ولم يكن قانون حق المرأة في التصويت نافذًا في سويسرا حتى عام 1990. أليس من الطبيعي أن نتوقع من هذه العلاقة المتغيرة أن تؤثر على التفضيلات الزوجية بين الرجال والنساء على التوالي؟ أم أننا ما زلنا تحت رحمة مصيرنا البيولوجي، كما يزعم علماء النفس التطوري؟

والنتائج التي أسفرت عنها البحوث واضحة: فالأفضليات الزوجية بين الرجال والنساء تبدو متشابهة على نحو متزايد. ويرتبط هذا الاتجاه ارتباطًا مباشرًا بزيادة المساواة بين الجنسين، حيث تحصل المرأة على قدر أكبر من الموارد والفرص في مجالات الأعمال والسياسة والتعليم. وفي دول أكثر تفاوتًا بين الجنسين، مثل تركيا، تقيّم النساء شركائهن على أساس القدرة على توفير لقمة العيش بأهمية مضاعفة مقارنةً بنظيراتهن في البلدان متساوية الحقوق بين الجنسين مثل فنلندا. وكما حدث مع جوش وميا، فإن الرجال الفنلنديين أصبحوا الآن أكثر ميلًا من النساء الفنلندييات إلى اختيار شركاء على أساس المستوى العالي من التعليم.

لا شك أن التحيز الجنسي يختلف داخل كل مجتمع، ولا يترجم المستوى الإجمالي للمساواة بين الجنسين في أي دولة بالضرورة إلى مواقف متساوية بين الأفراد. ولكن إذا كانت التفضيلات الزوجية محددة سلفًا بيولوجيًا، فإن التحيز الجنسي الفردي لا ينبغي له أن يخلّف تأثيرًا. ولكن البحوث التي أجريت في تسع دول تثبت العكس. وكلما كانت المواقف الشخصية للرجال أكثر تفاوتًا بين الجنسين، كلما فضّلوا صفات النساء مثل الشباب والجاذبية؛ وكلما كانت مواقف النساء غير المتكافئة بين الجنسين أكثر كلما فضلوا صفات الرجال مثل المال والمكانة.

ويشير هذا الدليل إلى بعض التناقضات الخطيرة في روايات علماء النفس التطوري. وإذا كانت الجينات تحدد اختيارنا الزوجي، فكيف قد تتآكل هذه الغرائز المكتسبة وفقًا لتفضيلات المجتمعات والأفراد؟

ولكي نكون منصفين، فإن علماء النفس التطوري يعترفون بأن العوامل الثقافية والعادات المحلية من الممكن أن تؤثر على الكيفية التي يختار بها الناس شركائهم. ولكن المساواة بين الجنسين لا تعتبر أحد هذه العوامل، وذلك لأن الفجوة بين تفضيلات الرجال والنساء لا تزال محدودة، حتى في المجتمعات المتساوية بين الجنسين نسبيًا.

ومن المؤسف أن الأدوار التقليدية للجنسين ما زالت قائمة حتى في المجتمعات التي تتسم بالمساواة الشديدة. وفي إحدى الدراسات الدنماركية، كان الأزواج الذين خسروا زوجاتهم أكثر ميلًا من غيرهم إلى استخدام أدوية خلل الانتصاب مقارنةً مع غيرهم من الأزواج. أحد التفسيرات هو أن الأزواج شعروا بالضغط لإظهارهم لعذريتهم، لأنه لم يكن بوسعهم أن يأخذوا دور «المعطي» ؛ وكان هنالك رأيٌ آخر أن فقدان وضع المعيل على نحو ما أدى إلى العجز الجنسي. وفي دراسة أخرى أجريت في الولايات المتحدة، قللت النساء العازبات من أهمية أهدافهن المهنية على أمل جعل أنفسهن أكثر جاذبية في نظر الرجال. ولكن إذا استمرت الأهمية التي يعلقها الرجال على التعليم الجيد للنساء، فإن هذه التكتيكات قد تتوقف عن العمل بفعالية.

ماذا لو حقق المجتمع المساواة الكاملة بين الجنسين؟ هل سيكون للنساء والرجال تفضيلات مماثلة في الأساس للشريك؟ أرى أن اختيارات النساء والرجال قد لا تتقارب بشكل كامل أبدًا. ومن المرجح أن يكمن الفارق الرئيسي في تلبية مطالب الرضاعة الطبيعية – النشاط الذي يتطلب قدرًا كبيرًا من الطاقة والوقت – كما يصعب دمجه مع العمل المدفوع الأجر، على الأقل كما يجري نظام العمل حاليًا. وهذا يعني أن النساء سوف يسعنَّ إلى الاستعاضة عن هذه الخسارة في الدخل باختيار أزواجهن بآفاق جيدة لكسب المال. بيد أن هذا القرار لن يكون له أي علاقة تقريبًا بغريزة البحث عن ذكرٍ يوفر لهن الحماية؛ بل إنه سوف يسترشد بالحسابات العقلانية للاحتياجات في المستقبل. إضافةً إلى ذلك، فإن السياسة الاجتماعية التقدمية، والتغيرات التي تطرأ على مكان العمل، وزيادة مشاركة الآباء في رعاية الأطفال، كل هذا من شأنه أن يخفف من الضغوط التي قد تؤدي إلى الإضرار بحياتهن المهنية.

يسألني طلابي أحيانًا عما إذا كانت تفضيلات الشريك المتساوية بين الجنسين مرغوبة. ويبدو أنهم يشعرون بالقلق من أن مثل هذه المساواة قد تنتزع شرارة الحياة العاطفية. وهناك خطرٌ آخر يتمثل في أن تسوية التفضيلات المتوازية قد تؤدي إلى المزيد من زواج المثليين، وهو ما قد يعمل بدوره على ترسيخ عدم التكافؤ الاقتصادي. ولكن وفقًا لأحدث تقرير عن الفروقات بين الجنسين لعام 2017، فإن أسباب القلق ضئيلة. ونظرًا لمعدل التغير الحالي، فسوف يكون هناك بعض الوقت قبل أن تجتمع جوش وميا: فلدينا مائة عام أخرى على الأقل قبل أن تتحقق المساواة بين الجنسين.

leave a reply

*

code

error: Content is protected !!